10 أيلول 2025 12:00ص ضربة معلم

حجم الخط
إنشغال اللبنانيين ومعهم العالم أجمع، بجلسات مجلس الوزراء، والتي أقرّ فيها حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية، ونزعه من يد حزب الله، والطلب إليه، بتسليمه للجيش اللبناني، استكملت مناقشة الورقة التي سلّمها السفير توم برّاك للحكومة اللبنانية، وهي تبيّن أمرين جوهريين:
1- جدولة تسليم السلاح، وخروج حزب الله من المعادلة التي رست على لبنان طيلة خمسين عاما: (جيش وشعب ومقاومة).
2- وقف الأعمال العدائية بين لبنان وإسرائيل بصورة نهائية، لا رجوع بعد ذلك، في شيء من ذلك.
التفاصيل الأخرى التي تضمنتها ورقة توم برّاك، تأتي في مندرجات هاتين المسألتين الرئيسيتين. وقد جرت لقاءات كثيرة، بين توم برّاك والرؤساء الثلاثة في لبنان، قبل الوصول إلى هذه الخلاصات، التي على أساسها، يأمل لبنان والعالم أن تقتلع مسألة الحرب اليومية بين لبنان وإسرائيل من جذورها، والتي كانت قد بدأت مع إنطلاقة الرصاصة الأولى في رأس العام 1965، وسارت «فتح» بشعلتها في شوارع بيروت، وقامت دنيا لبنان بعد ذلك، ولم تقعد حتى يومنا هذا.
ستون عاما، ولبنان يتحمّل ضريبة التحرير والإسناد للقضية الفلسطينية. فكانت الخسائر تنهال عليه، والعدو الإسرائيلي يتابع تقدّمه لسلب اللبنانيين، شيئا فشيئا، حتى ضجرنا من الحرب علينا وخارت قوانا أمامه، بعد ضربة البيجر في السابع عشر من تشرين الأول 2024، ومن ثم بعد إستكمال الضربة بضربة ثانية أشدّ وأدهى: في 27/10/2024؛ والتي أسفرت تباعا عن مقتل الأمينين العامين لحزب الله: الشهيد حسن نصرالله. والشهيد هاشم صفي الدين.
أتت ورقة «إتفاق وقف النار» في لبنان بعد ذلك، نتيجة للخسارة المدوية، وتشكّلت اللجنة الخماسية برئاسة أميركا، التي ترعى مندرجات هذه الورقة، وقد حملت بكل وضوح التوقيع على خروج حزب الله من الحرب إلى غير رجعة. وقبوله، بأن لإسرائيل أن تتابع ملاحقة سلاحه ومسلحيه، وأن تصل يدها أنّى وجدت في ذلك ضرورة لها.
خروج حزب الله من المعركة، فرض عليه القبول بخطاب القسم، وفرض عليه أيضا وبالمماثل، القبول بالبيان الوزاري.
وهذا كله يستدعي من المراقب الحصيف كل التأمّل.
قَبِل بحضور جلسة إنتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية، وشارك في إنتخابه. دون أن يتلكأ، ودون أن يتكأكأ. ثم شارك في تسمية رئيس الحكومة، وفي الإنخراط في الحكومة، وهو على علم ودراية، بتوجهاتها العامة.
مسألة حصرية السلاح كما مسألة وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل، كانا همّا ثقيلا على صدر حزب الله، أعياه حتى الشهادة. فوجد في الحكومة خلاصا منه، وما كان عليه إلّا أن يدعو لها، بدل الدعاء عليها.
رئيس الحكومة القاضي المنصف، نواف سلام، أتى حكما بين اللبنانيين، وأتى حاكما في قضية عمرها ستين عاما. رأى بعينيه كيف تحمّل لبنان عبأها وكيف إنتهى أخير، عاجزا عنها. فكانت ضربته «ضربة معلم»:
لا عودة إلى الوراء، ولا إستمرار في هدر الدماء، لأن دماء اللبنانيين غالية، ولأن خسائرهم تزداد يوما بعد يوم، ولأن لا أحد يقف إلى جانبنا، إذا لم ننبرِ لنغيّر المسار، ونربح لبنان، ونستعيد جثث الشهداء، ونستعيد أسرانا الأحياء. ونستعيد أرض الجنوب المحروقة، ويخرج العدو نهائيا من تلالنا، ومن الأنفاق التي حفرناها له، فوقعنا فيها.
يعول اللبنانيون على حكم القاضي المنصف نواف سلام، الذي جاء من محكمة العدل الدولية للتو، ليحكم فينا. وما شهد التاريخ قاضيا ينقض حكمه نفسه بنفسه. يفضّل شرب السم على طريقة سقراط، على أن يتراجع وينقض حكم قضية حكم فيها.
حكم القاضي المنصف والعادل نواف سلام، هو حكم الشعب، وهو أيضا حكم بإسم الشعب.
فليلاقيه الشعب حيث هو:
1- حصرية السلاح بكل مندرجاته.
2- ووقف الأعمال العدائية... وإراحة حزب الله واللبنانيين كافة من عبء القضية الثقيلة على أكتافهم.
القاضي العادل والمنصف نواف سلام، لك من الشعب اللبناني، كل تحية...

* أستاذ في الجامعة اللبنانية