بيروت - لبنان

اخر الأخبار

2 حزيران 2026 12:00ص غياب الفرح

حجم الخط
شعب مُصرّ على الفرح رغم غيابه، تأتي الأعياد إليه فتجده تحت الإحتلال، تجد النيران مشتعلة في جميع نواحيه، لكنك تجد الشعب يخرج كل يوم للسهر، والإبتهاج بنهار جديد. غدرتهم الحرب وجعلت أهله يعانون الأوجاع: جوعا وعطشا ومرضا وتشريدا. جعلتهم يختبئون من القذائف على رؤوسهم، ومن أزيز المحلقات وهدير الطائرات وقصف الصواريخ. شعب مصرّ على الفرح في غياب الفرح... فهل تصدّقون؟!
تراهم وقد خسروا قراهم، ما عادوا يستطيعون العودة إلى البساتين، إلى الحقول، إلى الكروم.. بكت المواسم غيابهم، حتى اسودّت العناقيد وحتى اسودّت الأغصان. ما عادت الأشجار تطرب للريح، نسيت أغانيها وألحانها للأهل للأطفال للعرائس، حين يفرشون تحتها الحصر والسجاجيد: يتحلقون حول الموائد، يقطعون نهارهم بترجيع الصدى، بالأغاني، بالذكريات، بالأقاصيص التي ورثت عن الآباء والأجداد.
شعب مُصرّ على الفرح بالأعياد، رغم عويل الأمكنة، رغم عواء الذئاب في الوديان وفي الخرائب التي رسمت حديثا، بالقنابل والصواريخ ومراشيق الرصاص، واسودّت الأسوار والأدراج، احترقت الأبواب حتى نصفها، حتى عمدها، حين شهقت من رقصة النيران.
شعب مُصرّ على الفرح، في غياب الفرح. يسهر ليله على شاطئ البحر، يشير إلى الغيمات التي لوّحت له بشالاتها، نسجتها خصيصا للمبعدين بأزهار الياسمين، كانوا منذ أيام يتشممون عطرها، ثم غادروها على عجل، فما أخذوا منها قطوفا.
غابت سطوح القرى، عن الشمس، عن النجوم، عن القمر، عادت تستريح فوق بعضها، تراها ذهبت إلى ملاجئها، حتى يعود ناسها من الغياب: كيف يكون العيد، في غياب العيد؟ كيف يكون الفرح في غياب الفرح؟ كيف تنهض البيادر والأعراس، بلا بيادر، بلا أعراس؟
غياب الفرح، قاتم وحزين في العيد، لأن الجنوب كله يبكي القرى، يبكي الدروب، يبكي الينابيع، حتى أننا لم نعد نسمع شهقة الليطاني، التي تحدث عنها الشعراء.
ماذا حلّ بالجنوب، بعدما خرج أهله على ذعر، حملوا بعض أمتعتهم بأيديهم، أقفلوا الأبواب جيدا، تأكّدوا أن كل شيء في محله، أداروا ظهرهم، وأقبلوا على العراء.
شعب يفرح وحده في العراء، شعب يفرح في غياب الفرح، والحزن منديل أسود، ينادون على القرى، تهرع إليهم من نومها، تلمّ شرشف الأرض، تسوّي حجارتها. ثم ترقص.
في غياب الفرح تأتي نجوم القرى تتراقص، يرقصون معا، تحت ضوء القمر، ويكملون سهرتهم الناقصة: تفرّق الأولاد شهداء وجرحى وعطشى وجوعى. شرّدت خلفهم محلقات وطائرات، تابعتهم، حتى باتوا ليلة العيد في غياب الفرح، سقط من عيونهم الكتاب المدرسي.