إذا نظرت إلى تحوّلات المواقف السياسية في لبنان، وإلى لعبة الكراسي الموسيقية المستمرة، ستدرك أن فن التكويع ونقل البندقية من كتف إلى كتف لم يعد استثناءً، بل صار قاعدة يومية، ومشهداً مألوفاً لا يملّ منه المُشاهد.
فتترحّم على أيام كانت فيها المواقف مبادئ، والرجال أشدّاء في الحق، ولو لام اللائمون. أما اليوم، فالألسنة أغلظ من جلد الخرتيت من كثرة «لحس» تصريحاتهم السابقة، والخصور أنحف من خصور الغزلان، من شدّة التكويع والتملّق والتراجع المستمر عن أي موقف سابق.
هيدا لبنان... موطن النفاق السياسي، ودار الفن الاحترافي في التذبذب، وإعادة التموضع اليومية، والولاء المتأرجح، ونقل البارودة من كتف إلى كتف ببراعة لا تُصدق!
وفي خبر عاجل، صدرت الطبعة الرابعة والستون من كتاب «فنّ التكويع»؛ نسخةٌ منقّحة ومزيدة بمئات الصفحات، ليتضخّم المجلد ويصل إلى ألف صفحة... زائد صفحةٍ واحدة فقط، احتياطاً لأي استدارة سياسية مفاجئة في اللحظة الأخيرة!
الكتاب أثار ضجة غير مسبوقة، حتى اعتُمد مادة أساسية في كليات العلوم السياسية، وتفوّق على كتاب «الأمير» لميكافيللي بسهولة. يشرح الكتاب بالتفصيل مهارات نظرية «بيضة القبّان»، ويكشف أسرار رفع الصوت والتهويل والمناورة للوصول إلى المآرب الخاصة بكل اتقان.
سارعوا لاقتناء النسخة قبل نفادها؛ فالتاريخ يُكتب بالدماء والمبادئ، أما في بلادنا، فيُكتب بأحبار التكويع، ويدفع ثمن «الصفحات الإضافية» الشعبُ من عمره ومستقبله.