بيروت - لبنان

اخر الأخبار

15 نيسان 2026 12:05ص كيف يمكن إدارة ملف الحرب والسلم في ظل تعدّد الرؤى بين أهل الحكم؟

لبنان يذهب إلى المفاوضات مع إسرائيل بمركب مثقوب ومجاديف مكسّرة

حجم الخط
في خضم التصعيد العسكري المتواصل بين لبنان وإسرائيل، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار بالغ الحساسية: كيف يمكن إدارة ملف الحرب والسلم في ظل تعدد الرؤى داخل رأس السلطة نفسها؟ صحيح أن الرؤساء الثلاثة يلتقون عند هدف مشترك يتمثل في وقف الحرب أو على الأقل تثبيت وقف لإطلاق النار وفتح باب التفاوض، إلّا أن تباين مقارباتهم يعكس صورة واضحة عن واقع القرار اللبناني، ويثير تساؤلات جدّية حول مدى قدرة لبنان على خوض مفاوضات متماسكة في مواجهة خصم يعرف جيداً كيف يستثمر نقاط الضعف.
هذا التباين لا يقتصر على اختلاف في الأساليب، بل يمتد إلى جوهر النظرة السياسية والأمنية للملف، فهناك من يميل إلى مقاربة دبلوماسية بحتة، ترتكز على استثمار العلاقات الدولية والضغط الخارجي، في حين يرى آخرون أن أي تفاوضا لا يمكن أن يكون مجدياً من دون أوراق قوة ميدانية تعزز موقع لبنان على الطاولة. وبين هذين الاتجاهين، يبرز خط ثالث يحاول التوفيق بين الواقعية السياسية ومتطلبات الداخل، لكنه غالباً ما يصطدم بتعقيدات التوازنات الداخلية والانقسامات الحادّة.
هذا المشهد المتعدد الاتجاهات ينعكس مباشرة على صورة لبنان التفاوضية. فالدول التي تدخل مفاوضات مصيرية تحتاج إلى خطاب موحّد، ورؤية واضحة، وأهداف محددة لا لبس فيها، أما في الحالة اللبنانية، فإن تعدد الرسائل وتضارب الأولويات يعطي انطباعاً بأن البلاد تفتقر إلى استراتيجية وطنية جامعة، ما يضعف قدرتها على فرض شروطها أو حتى الدفاع عن مصالحها الأساسية.
والأخطر من ذلك أن هذا التباين الداخلي لا يبقى محصوراً في الإطار المحلي، بل يتحوّل إلى عنصر مكشوف أمام الطرف الآخر، الذي يدرك تماماً كيفية استغلاله. فعندما تشعر إسرائيل بأن الطرف المقابل منقسم أو غير قادر على اتخاذ قرار موحّد، فإنها حكما ستميل إلى التشدّد في مواقفها، وستضع بالتأكيد شروطاً أكثر قسوة، مستفيدةً من حالة الارتباك السياسي. وهنا تكمن خطورة «المركب المثقوب»، حيث لا يعود الخلل مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يتحوّل إلى عامل تقويض حقيقي لأي مسار تفاوضي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن لبنان يواجه تحدّيات بنيوية عميقة تزيد من صعوبة توحيد الموقف. فالنظام السياسي القائم على التوازنات الطائفية يجعل من الصعب إنتاج قرار مركزي حاسم، كما أن الضغوط الإقليمية والدولية المتشابكة تفرض على كل طرف حسابات خاصة قد لا تتطابق مع المصلحة الوطنية الشاملة، أضف إلى ذلك الواقع الاقتصادي المنهار، الذي يحدّ من قدرة الدولة على الصمود ويجعلها أكثر عرضة للضغوط.
ومع ذلك، فإن مصادر سياسية عليمة ترى أن هذه التحدّيات لا تبرر الاستسلام لحالة التشتّت، فالتجارب السابقة أظهرت أن لبنان، رغم انقساماته، قادر على إنتاج حد أدنى من التوافق عندما تكون المخاطر وجودية، واليوم، يبدو أن البلاد أمام لحظة مشابهة، حيث لا مجال للمناورات السياسية الضيقة أو الحسابات الفئوية، بل هناك حاجة ملحّة لإعادة صياغة مقاربة وطنية موحّدة لملف الحرب والتفاوض.
هذه المقاربة يجب أن تنطلق من تحديد واضح للأولويات: حماية السيادة، تجنيب البلاد مزيداً من الدمار، والحفاظ على ما تبقّى من مقومات الدولة، كما ينبغي أن تقوم على توزيع متوازن للأدوار بين المؤسسات، بحيث يتم دمج العمل الدبلوماسي مع المعطيات الميدانية في إطار رؤية واحدة، لا أن يتحوّل كل مسار إلى جزيرة منفصلة.
إلى جانب ذلك، لا بد من إدراك أن أي تفاوضا لا يجري في فراغ، بل في سياق ميزان قوى متغيّر، وبالتالي، فإن تحسين الموقع التفاوضي للبنان لا يمرّ فقط عبر توحيد الخطاب، بل أيضاً عبر تعزيز عناصر الصمود الداخلي، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني. فالدولة التي تبدو متماسكة من الداخل تكون أكثر قدرة على فرض نفسها في الخارج.
انطلاقا مما تقدّم فان لبنان يقف اليوم عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يستمر في إدارة ملف مصيري بعقلية الانقسام، ما يعني الدخول إلى طاولة التفاوض بمركب مثقوب ومجاديف مكسّرة، وإما أن ينجح في تجاوز خلافاته وصياغة موقف وطني موحّد يعيد ترميم صورته ويمنحه الحد الأدنى من القوة اللازمة لمواجهة التحدّيات. وبين هذين الخيارين، يتحدّد ليس فقط مسار المفاوضات، بل أيضاً مستقبل لبنان من كل جوانبه.