بيروت - لبنان

اخر الأخبار

21 تموز 2025 12:00ص لبنان خاسر نفسه

حجم الخط
كل دول العالم ولدت صغيرة ثم أخذت تكبر، إلّا لبنان ولد كبيرا ثم أخذ يصغر. ما هو السر الذي جعل لبنان يتضاءل يوما بعد يوم؟ وما هو سر الدول، التي كانت تعظّمه، ثم أخذت شيئا فشيئا، لا تبالي به؟ لماذا فَقدَ لبنان دوره على صعيد الإقليم، وعلى صعيد العالم؟ وكيف عليه أن يعمل، ليستعيد حضوره وألقه بين الأمم؟ أم أن ذلك، أصبح من سابع المستحيلات، لأنه أصبح في أسفل اللائحة التي تضم البلدان والأوطان الفاشلة، بل غدا على وجه التحديد، الثالث ما قبل الأخير، بين أسماء الدول الفاشلة، على اللائحة الممهورة والمصنفة؟!
حقا، لبنان في تاريخ النهضة، وفي بدايات التاريخ الحديث، كان قد لمع إسمه وذاع صيته، من خلال الرجال الذين برزوا فيه، نجحوا كعلماء داخل البلاد وخارجها، في زمن التأسيس للثقافة والتنوير. كذلك نجحوا في جميع الأعمال التي تنكبوها، وأنشأوا لها المنشآت التي تساعده على النجاح والتطوير، وجابوا أصقاع الأرض كلها، يبحثون عن العلم والمعرفة.
كان لبنان واحة سلام في الإقليم، تماما كما كان ساحة إخاء وتعاون وحرية. فأينما ذكر إسمه، ترفع القبعة له، فيشيرون له بالبنان، وأنه وطن ليس كسائر الأوطان لما يتمتع به شعبه من دماثة ومن غيرة ومن شهامة، ومن غزير العلوم والمعارف والثقافات المتداولة.
بنى للنجاحات تماثيل على أبواب المستشفيات التي أنشأها، وعلى أبواب الجامعات والأكاديميات. وكانت شواطئه، كما مصائفه ومنتجعاته، في غاية الجمال والنظافة والأناقة. وكان مقصد أولي العزم، يجدون فيه الراحة والحلم والأمل. كان جنة للسلام في الإقليم، ولهذا طارت إليه أفئدة الناس جميعا، من أدنى الأرض إلى أقصاها.
خسر لبنان نفسه، منذ أن إنقلب على نفسه، منذ أن إنقلب على دوره، منذ أن إنقلب على تاريخه، منذ أن إنقلب على واقعه. فهل ينجح حقا من يحمل حجرا أكبر من حجمه؟!
كان لبنان في تاريخه القديم، مركزا لممالك وأسواق ومراكب وقوافل. وكانت تجارته تسع الأرض كلها. كان لبنان البز والقز والحبر والمحبرة والقراطيس والأبجدية. ينفر من الحروب، ويلاقي الإمبراطوريات المغامرة، على المحبة والسلام والتنادي في الأسواق. وينادي على الصلح والسلام بينها. كان بذلك يؤسس لأسواق العلم والمعرفة. كان رجاله المؤسسون، أساطين على الصعد كافة، لأنهم يرفضون المشاركة في الحروب المغامرة.
كان اللبنانيون القدماء يعرفون أن بلادهم للسلام وليست للحرب. ولهذا نجحوا في جعل لبنان، على صغره كوكبا مفردا، يشعّ بالنور وبالعلم، وتقصده الأمم كلها، لتتعلّم على يد أبنائه، ما ينقصها من علم ومن خبرة ومن معرفة.
أضاع لبنان نفسه، حين أضاع دربه. أخذ طريقه إلى النار والنيران التي تلتهم غاباته وتدمّر مدنه وقراه وتحرق مزارعه وكرومه، وتأكل منه الأخضر واليابس.
نزل شبابه إلى الساحات في معارك القطبين، ضاعوا بين المحاور، صاروا يهتفون لفيتنام وكوريا ولتايوان، وحين إنكب لبنان للذقن، ما وجد أحدا حوله.
أغلق لبنان مدارسه وجامعاته وكلياته وأكاديمياته، أبطل فيها الصفوف التعليمية، ورفع فيها المتاريس. صار يستقبل شذاذ الآفاق، ويحملهم إلى المعسكرات في الجرود وفي الوديان وفي السفوح وفي الجبال المنقطعة. صارت السفن ترسو في موانئه، كما الطائرات، كما الشاحنات، وفي بطونها كل أنواع الأسلحة. صار لبنان حقا ترسانة عسكرية مسلحة.
تخلّف لبنان عن دوره الذي أنشأه المؤسسون عليه، وصارت وجهته إلى تجار السلاح، إلى معامل النار والبارود. يحلم بترسانة وبنفق وبصاروخ وبمسيّرة. جنح لبنان إلى الحرب، وحين كان يأتيه السلم، لا يجنح له.
خسر لبنان حقا نفسه، منذ أن نادى على نفسه، مغامرا في حروب الإقليم، وفي حروب العالم أجمع. وأبطل عدة السلام: واحة، ومطبعة وجامعة ومستشفى. وارتدى بذلة المغامرين والمقامرين بأوطانهم، وصار ينادي على سوق الحرب، بعدما كان يمامة، على أيكة أو دوحة تهدل للطمأنينة و السلام.
لبنان اليوم، بعدما أصابته الحرب بشواظها، دخل في الكوما، يعوده العوّاد، ينتظرون أن يستيقظ على العالم وقد تغيّر من حوله، فالأرض محروقة، والقرى مهجورة، والعمائر مهدّمة، والأعداء يتربصون به بالمسيّرات وبالمناظير، وينصبون الأهداف والأفخاخ له، ويوقعون بالأهالي. وحين يستيقظ من الكوما، سوف يجد فوق رأسه، رسالة من أهله تتأسّف على شبابه اليانع الذي مضى ولن يعود، حفرت على شاهد بالحرف الأسود:
لبنان خاسر نفسه!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية