بيروت - لبنان

اخر الأخبار

4 حزيران 2026 12:10ص لبنان وثقافة الخوف: لماذا نحتاج إلى ثورة فكرية قبل أي إصلاح دستوري؟

حجم الخط
د. موفق اليافي*

كنت قد اتخذت قراراً منذ مطلع الألفية الجديدة، بعد ابتعادي عن العمل الوطني المباشر، ألا أعود إلى الكتابة في الشأن السياسي اللبناني. غير أن مقالاً للصديق عبد الفتاح خطاب، بمناسبة الذكرى المئوية للدستور اللبناني، دفعني إلى إعادة التفكير في سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة: لماذا يتعثر مشروع الدولة في لبنان رغم كثرة الدساتير والتعديلات والتسويات والإصلاحات المقترحة؟
في كل محطة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، يعود النقاش إلى النصوص والصلاحيات والتوازنات الدستورية. ينقسم اللبنانيون بين من يرى الخلل في اتفاق الطائف ومن يراه في سوء تطبيقه، بين من يطالب بتعديل الصلاحيات ومن يدعو إلى تطوير النظام السياسي أو اعتماد اللامركزية الإدارية أو إنشاء مجلس الشيوخ.
لكن هذه النقاشات، على أهميتها، غالباً ما تبقى أسيرة الظواهر ولا تلامس الأسباب العميقة.
فالأزمة اللبنانية، في جوهرها، ليست أزمة دستور فقط، ولا أزمة نظام سياسي فقط، بل هي أزمة وعي سياسي وثقافة مجتمعية تشكلت عبر قرن كامل من التجارب المتراكمة.
لقد كتب المفكر الجزائري مالك بن نبي أن أزمة المجتمعات لا تبدأ من عجز المؤسسات بقدر ما تبدأ من عجز الأفكار التي تنتج تلك المؤسسات. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم المعضلة اللبنانية. فالدساتير يمكن تعديلها، والقوانين يمكن تطويرها، أما الثقافة السياسية التي تشكّل وعي الناس وعلاقتهم بالدولة فهي أكثر رسوخاً وتأثيراً من أي نص قانوني.

ثقافة الخوف الطائفي

لعل أخطر ما أنتجته التجربة اللبنانية خلال القرن الماضي ليس الفساد أو المحاصصة أو تعطيل المؤسسات، على خطورتها جميعاً، بل إنتاج ما يمكن تسميته «ثقافة الخوف الطائفي».
في هذه الثقافة لا يصبح الخوف حالة استثنائية مرتبطة بالأزمات، بل يتحوّل إلى جزء من البنية النفسية للمجتمع. فكل جماعة تُربّى على هواجسها التاريخية الخاصة، وعلى سردية تجعل بقائها مرتبطاً بالحذر الدائم من الآخرين. وهكذا يصبح الانتماء الطائفي ملاذاً نفسياً قبل أن يكون خياراً سياسياً.
لقد برزت هذه الظاهرة بوضوح في محطات عديدة من تاريخ لبنان. ففي أزمة عام 1958 طغت الانقسامات المرتبطة بالهوية والانتماء الإقليمي على مفهوم الدولة الجامعة. وفي حرب 1975 انهارت الثقة الوطنية أمام صعود الهويات القاتلة. وفي عام 2005 انقسم اللبنانيون بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الدولة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. أما انتفاضة السابع عشر من تشرين الأول 2019 فقد شكلت لحظة استثنائية حاول فيها اللبنانيون الخروج من القيد الطائفي والالتقاء حول مطالب مواطنية جامعة، قبل أن تستعيد البنى التقليدية قدرتها على إعادة إنتاج الانقسام.
إن المشكلة ليست في وجود الطوائف بحد ذاتها، فالتعددية الدينية والثقافية كانت دائماً أحد عناصر غنى لبنان. المشكلة تبدأ عندما تتحول الطائفة من فضاء ثقافي وروحي إلى إطار سياسي مغلق، وعندما يصبح الخوف من الآخر أساساً لبناء الشرعية السياسية.

الجمهورية النفسية للطوائف

رغم أن اللبنانيين يعيشون ضمن دولة واحدة وحدود واحدة ومؤسسات واحدة، فإنهم غالباً ما يعيشون نفسياً داخل جمهوريات متعددة ومتوازية.
لكل جماعة روايتها الخاصة للتاريخ، وأبطالها، وذاكرتها الجماعية، ومصادر قلقها، وأحلامها ومخاوفها. ومن هنا يمكن الحديث عن «الجمهورية النفسية للطوائف»، وهي الجمهورية غير المرئية التي تحكم سلوك اللبنانيين السياسي أكثر مما تحكمه النصوص الدستورية.
وقد أشار المفكر المغربي محمد عابد الجابري إلى أن العصبيات التقليدية تصبح عائقاً أمام بناء الدولة الحديثة عندما تتحول إلى مرجعية تتقدم على مفهوم المواطنة. وما زال لبنان، بعد مرور قرن على قيام دولته، يعيش هذا التحدّي ذاته.
فالمواطن اللبناني غالباً ما يُعرّف نفسه من خلال جماعته قبل أن يعرّف نفسه من خلال دولته. وينظر إلى السياسة باعتبارها ساحة لحماية الجماعات أكثر من كونها وسيلة لبناء الصالح العام.

اقتصاد الزعامة

ومن رحم هذه الثقافة نشأت ظاهرة أخرى يمكن تسميتها «اقتصاد الزعامة».
فالزعامة في لبنان لم تعد مجرد تمثيل سياسي، بل أصبحت نظاماً اقتصادياً واجتماعياً قائماً بذاته. الوظيفة تمر عبر الوساطة. والخدمة العامة تمر عبر النفوذ. والفرص الاقتصادية ترتبط أحياناً بشبكات الولاء أكثر مما ترتبط بالكفاءة أو الاستحقاق.
في مثل هذا النظام يصبح ضعف الدولة مصلحة موضوعية للعديد من القوى النافذة، لأن الدولة القوية تنقل الولاء من الأشخاص إلى المؤسسات، بينما تقوم الزعامة التقليدية على إبقاء المواطن محتاجاً إلى الوسيط.
ومن هنا تتشكّل الحلقة المفرغة التي عاشها لبنان لعقود طويلة:
الدولة ضعيفة لأن الزعامات قوية.
والزعامات قوية لأن الدولة ضعيفة.
ولا أحد يملك الحافز الكافي لكسر هذه الحلقة لأنها تشكل أساس التوازن القائم.

من ازمة النظام الى أزمة الوعي

غالباً ما يُختزل النقاش اللبناني في كيفية تعديل النظام السياسي، بينما السؤال الأعمق يتعلق بطبيعة الإنسان السياسي الذي أنتجه هذا النظام.
لقد بيّن عالم السياسة بندكت أندرسون أن الأمم لا تقوم فقط على الجغرافيا أو المؤسسات، بل على بناء «خيال وطني مشترك» يشعر فيه الناس بأنهم جزء من مجتمع واحد ومصير واحد.
وربما تكمن المعضلة اللبنانية في أن الدولة نجحت في البقاء، لكنها لم تنجح بالكامل في إنتاج هذا الخيال الوطني الجامع.
ما زلنا نطالب بالمؤسسات بينما نمارس العصبية.
ونرفع شعار القانون بينما نبحث عن الاستثناء.
ونتحدث عن العدالة بينما نتردد في تطبيقها إذا مست جماعاتنا.
ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من النصوص وحدها، بل من إعادة بناء الثقافة السياسية التي تحكم علاقتنا بالدولة وببعضنا البعض.

من جمهورية الطوائف إلى جمهورية المواطنة 

لقد أمضى لبنان قرناً كاملاً وهو يبحث عن التوازن بين الطوائف، لكن التحدي المطروح أمام القرن الثاني من عمر الجمهورية هو البحث عن التوازن بين حقوق المواطنين.
لقد كان القرن الأول قرن إدارة التعددية، أما القرن الثاني فيجب أن يكون قرن بناء المواطنة.
وكان القرن الأول قرن التسويات بين الزعامات، أما القرن الثاني فيجب أن يكون قرن العقد الاجتماعي بين اللبنانيين أنفسهم.
إن جمهورية المواطنة ليست مشروعاً لإلغاء الطوائف أو محاربة الخصوصيات الثقافية والدينية. على العكس، إنها الإطار الذي يحمي هذا التنوع ويمنحه شرعية الاستمرار من خلال دولة عادلة ومحايدة تجاه جميع أبنائها.
فالدولة الحديثة لا تلغي الهويات المتعددة، بل تنظمها تحت سقف هوية وطنية جامعة تجعل القانون المرجعية العليا للجميع.

عقد المواطنة اللبناني الجديد

إن الانتقال من جمهورية الطوائف إلى جمهورية المواطنة لا يتحقق بقرار سياسي أو بتعديل دستوري فحسب، بل يحتاج إلى تأسيس ما يمكن تسميته «عقد المواطنة اللبناني الجديد».
وهو عقد يقوم على أربع ركائز أساسية:
أولاً: أولوية القانون على العصبية.
ثانياً: أولوية الكفاءة على المحسوبية.
ثالثاً: أولوية المواطن على الجماعة.
رابعاً: أولوية الدولة على الزعامة.
هذا العقد لا يلغي التنوع اللبناني، بل يحرره من الخوف.
ولا يلغي الخصوصيات، بل يمنع تحويلها إلى أدوات صراع دائم.
ولا يستهدف الطوائف، بل يستهدف ثقافة الخوف التي تفصل بينها.
إن معركة لبنان في القرن الثاني من عمر دولته ليست معركة تعديل الدستور، بل معركة الانتقال من ثقافة الخوف إلى ثقافة الثقة، ومن الجمهورية النفسية للطوائف إلى الدولة الوطنية الجامعة، ومن اقتصاد الزعامة إلى اقتصاد الفرص والمؤسسات.
وعندما ينجح اللبنانيون في بناء هذا العقد الجديد، يكونون قد انتقلوا فعلاً من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة بناء الأمة، ومن جمهورية الطوائف إلى جمهورية المواطنة.

* دكتوراه دولة في الاقتصاد السياسي