بيروت - لبنان

اخر الأخبار

27 تشرين الثاني 2025 12:05ص من فكر محمود ممداني إلى الواقع اللبناني... خارطة طريق للخروج من دولة الامتيازات

حجم الخط
يبدو أن لبنان وبعد عقود من التسويات الهشّة والاتفاقات الملتبسة بحاجة إلى فكرٍ جديد يُعيد ترتيب العلاقة بين المواطن والدولة من جذورها. ومن المفارقات المعبّرة أن هذا الفكر يأتي اليوم من الجنوب العالمي من مدرسة المفكر الأفريقي محمود ممداني، المفكر البارز وأحد أبرز منظّري ما بعد الاستعمار ووالد عمدة نيويورك الحالي زهران ممداني.
فكرُ ممداني الذي وُلد من تجربة أفريقيا العميقة في مواجهة الاستعمار وما بعده من انقسامات يحمل دلالات مذهلة للبنان الذي يعيش اليوم إرثاً مشابهاً من الامتيازات التاريخية والطائفية والسياسية.
يرى ممداني أن جوهر الاستعمار لم يكن فقط السيطرة الاقتصادية أو الاحتلال العسكري بل كان في ابتكار نظام سياسي مزدوج يقسم المجتمع إلى فئتين «مواطنين» يعيشون تحت قانون مدني وحقوق حديثة و«رعايا» يُحكمون عبر تقاليد محلية وقوانين عرفية تخضع للزعماء المحليين. وقد أنتجت هذه البنية في نظره ما يُسمّى «الدولة المزدوجة» دولةٌ حديثة في الشكل تقليدية في الجوهر، تنظم الامتيازات وتوزّعها على أساس الهوية والانتماء لا على أساس الكفاءة والمواطنة.
يشبه لبنان في هذا المعنى إلى حدٍّ بعيد ما وصفه ممداني في كتابه «المواطن والرعية Citizen and Subject». فـ«لبنان ما بعد الاستقلال» لم يبنِ دولةً جامعة للمواطنين بل حافظ على تركيبة استعمارية مموّهة، طوائف تتحكّم بمفاصل السلطة، زعامات محلية تتقاسم الولاءات وتعطل القوانين ومؤسسات عامة تُدار بعقلية الغنيمة لا الخدمة. لقد تحوّل عملياً المواطن اللبناني إلى «رعية طائفية» يدين بالولاء لزعيمه ويستمدّ حقوقه من الطائفة لا من الدستور.
ما يسمّيه ممداني «أنظمة الامتيازات» هو ما يراه اللبنانيون يومياً في صيغتهم السياسية، اتفاقات محاصصة تُكرّس الطبقة الحاكمة، قوانين تُوزّع المنافع وفق توازنات مذهبية، مؤسسات مشلولة وعدالة انتقائية.
فالدولة اللبنانية لم تتحرر بعد من منطق «الاستثناء» بل تمّ تحويله إلى قاعدة. تُدار الوزارات والمجالس والإدارات وفق توازنات زبائنية تشبه تماماً آلية الحكم غير المباشر التي وصفها ممداني في أفريقيا، زعماء محلّيون، سلطات موازية ومواطنون بلا حقوق متساوية.
لقد أصبح النظام اللبناني بعد تحييد اتفاق الطائف واستبداله بمحاصصة ميليشيات الإتفاق الثلاثي المدعوم من نظام الأسد البائد «تحالف ميليشيات سلطة المال والسلاح» يُمسك كلّ طرفٍ بقطعة من السلطة العامة. لكن أخطر ما في هذا النظام ليس الانقسام الطائفي وحده بل تثبيت امتيازات جديدة الى جانب الدولة العميقة للإمتيازات السابقة كمنطق لعمل الدولة. وهذا ما يجعل أي إصلاحٍ شكلي أو تعديلٍ في الحكومة مجرّد تدويرٍ للزوايا لا مساراً للتغيير.
في كتابه الأخير «لا مستوطن ولا أصيل Neither Settler nor Native» يقدّم ممداني رؤية جذرية، يقول فيها لا يمكن بناء دولة عادلة على أساس الهوية أو الامتياز بل على عقد سياسي جديد يقوم على مساواة المواطنين جميعاً أمام مؤسسات مدنية موحّدة. ويُحذر من الحلول العقابية أو «العدالة الانتقائية» التي تُحاكم الأشخاص ولا تمسّ البُنى المؤسسية التي أنتجت الفساد أو العنف.
ينتقد ممداني بشدّة المقاربة الغربية للعدالة الانتقالية التي تكتفي بمحاكمة الأفراد دون إعادة النظر في البُنى التي أنتجت الجريمة أو الفساد... يمكن القول في الحالة اللبنانية إن كل لجنة تحقيق أو محكمة أو تقرير لم يغيّر شيئاً في الواقع لأن المؤسسات نفسها التي أنتجت الفساد هي من تشرف على محاسبته. لا يبدأ التحرر الحقيقي بحسب ممداني من السجون بل من الدساتير واعادة بناء البنيّة المؤسساتيّة من إعادة كتابة القواعد التي تُعرّف المواطن وتحدّد علاقته بالسلطة. وهذا ما يحتاجه لبنان، لا ثورة غضب عابرة كما شاهدناه في 17 تشرين بل مشروع تأسيسي جديد يُنهي منطق الامتياز ويُعيد تعريف معنى الدولة.
لم تخرج أفريقيا في فكر ممداني من إرث الاستعمار إلّا حين تخلّت عن عقلية «التحرر الرمزي» واتجهت إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس مدنية جامعة. ولبنان اليوم أمام خيار مشابه، إما أن يبقى أسير «صفقات التوازن» أو أن يعلن تحوّله نحو جمهورية مدنية جديدة لا تقوم على توازن الطوائف بل على توازن الحقوق. فالمشكلة في لبنان ليست في غياب العقول أو النصوص بل في غياب الرؤية البنيوية للإصلاح. وما يقترحه ممداني باختصار هو الانتقال من «الطائفية السياسية» إلى «المواطنة الدستورية» ومن «الشرعية التاريخية» إلى «الشرعية المدنية» ومن «السلطة كشراكة امتياز» إلى «السلطة كمسؤولية عمومية».
لعلّ المفارقة اللافتة أن ابن محمود ممداني زهران الذي يشغل اليوم منصب عمدة ولاية نيويورك يجسّد في ممارسته السياسية نموذجاً لمواطنة عالمية جديدة، مواطنة تنطلق من الدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات المهمشة لا من الهوية أو العِرق أو الأصل. يمكن القول بهذا المعنى إن الفكر الذي بدأ في كيب تاون أو كمبالا يجد صداه اليوم في نيويورك... وربما إذا أحسنّا الإصغاء... في بيروت أيضاً. انطلاقاً من هذا التصور يمكن تلخيص خارطة الطريق الإصلاحية التي يقترحها فكر ممداني للبنان في النقاط الآتية:
• إعادة تعريف المواطنة عبر إلغاء الازدواجية المؤسسية والطائفية في إدارة الدولة، وإنهاء الامتيازات القانونية والسياسية التي تمنح فئة ما سلطة استثنائية على مؤسساتها.
• إعادة بناء هذه المؤسسات على أساس الكفاءة والحق الدستوري لا على مبدأ المحاصصة، من خلال استكمال السلطة التشريعية بمجلس شيوخ تمهيداً لتحرير المجلس النيابي من الاحتكارات السياسيّة الطائفيّة القاتلة، وإعادة تقسيم المحافظات بشكل متوازن ومتوازٍ لتحقيق لا مركزيّة تنموية ومؤسسية لا لامركزيّة عشائرية أو لطائفية النفوذ وقبل ذلك ترسيخ استقلالية السلطة القضائية، وفي هذا الإطار يُعاد بناء القضاء والإدارة على أسس علميّة تضمن المساءلة الحقيقية لا الانتقائية.
• تحويل التعليم والإعلام إلى أدوات لترسيخ المواطنة المشتركة بدل تغذية العصبيات.
• تحرير الاقتصاد من منطق الغنيمة ومحاصصة الإحتكارات واخضاعه لمعايير الشفافية والمصلحة العامة، بحيث تتوحّد العدالة الاجتماعية والاقتصادية مع العدالة السياسية، ويتحوّل الفرد من تابع يُستَخدم كأداة انتخابية في نظام ريعي إلى مواطن يمتلك القدرة الاقتصادية والمعرفية على المشاركة الفاعلة في الشأن العام.
يصبح لبنان بهذه الرؤية جزءاً من مشروع عالمي للانتقال من «دولة الامتيازات» إلى دولة الدستور والعدالة، حيث تُقاس شرعية الدولة بقدرتها على المساواة بين أبنائها لا بعدد الطوائف الممثلة في حكومتها.
إن ما يقدّمه فكر محمود ممداني ليس نظرياتٍ أكاديمية فحسب بل خارطة طريق فكرية وأخلاقية للدول التي تعثّرت في بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال. ولبنان الذي عاش قرناً من التسويات المؤقتة والولاءات المتعددة يحتاج اليوم إلى مثل هذه الرؤية الشجاعة، رؤية تجعل من المواطنة هويةً جامعة ومن الدولة عقداً اجتماعياً جديداً ومن العدالة مشروع بناءٍ لا انتقام.
حينها فقط يمكن للبنان أن يتحرّر من استعمار فيروس سلطة الامتيازات ويخطو بثقةٍ نحو برنامج دولة دستورية راعية، عادلة ومنصفة.