ودّية المقاومة
لا تصدّقوا كم كانت المقاومة ودودة للشعب وللأرض، ليس في محافظة الجنوب وحدها ولا في محافظة البقاع وحده، وإنما في المحافظات الخمس كلها، بل في عموم الأراضي اللبنانية.
كانت تريد أن تجعل من سوريا/ الأسد كلها، إمتدادا للبنان/ المقاومة الشريفة، ولأشرف الناس معها. ذهبت إلى إيران وجلبت معها الأموال والكنوز، لتكون في خدمة مشروعها. حفرت الأنفاق على الحدود، فوحّدت بين البلدين. وساندت الأسد ووقفت إلى جانبه، حتى يكون في خدمتها. ضحّت من أجله بكل ما تملك مالا ورجالا، وما ادّخرت شيئا من عناوين البأساء والقوة، إلّا وسخت بها عليه، لعلّه يكون وفيّا لها، يردّ الجميل بالجميل، ويكون سندا لها.
إلتفتت المقاومة إلى أرض الجنوب، فكانت تجمله بالقرى. صارت قرى الجنوب كلها، نجوم سماء صافية صائفة. وصارت حدائقه منتجعات صيف وكروم. وصار بحره للشمس والرمل، يستمتع به المنتجعون طوال وقتهم، تحت السماء الهادئة، ولا يشغلون بالهمّ بالأمور التافهة.
وفّرت المقاومة الأموال لشباب الجنوب، ووفّرت المال والدواء للنساء والأطفال والشيوخ والعجزة، حتى باتوا يحلفون بحياتها. كانت تتدبر أمورهم نفسها بنفسها، فلم تدع منهم سائلا، ولم تدع منهم كفيفا ولا جائعا. كانت تؤمّنهم جميعا، من خوف ومن جوع.
خشيت المقاومة على شعبها مثل أم رؤوم. خشيت عليهم من ذؤبان الحدود، ومن الأعداء خلف الحدود. فدعت جميع من يقاتلهم، لينضموا إليها. لم تدخّر مالا ولا جهدا ولا علما ولا خبرة، إلّا وقدمته لهم بكل سخاء. وطّدت علاقاتها بإيران الصديقة، أفادت منها مالا وعلما، فكان كل سلاحها منها، وكذا مالها وحاجاتها وجميع اللوازم التي تلزمها. تنفق قسما منه على شعبها، وتنفق قسما آخر على كافة أفراد وفيالق محورها، حتى باتوا يحلفون بحياتها، تماما مثلما كانوا يحلفون بسخائها. كانت المقاومة وفيّة لمشروعها، في مد يد العون للأهل ونجدتهم، عندما يشعرون بحيف من الأعداء، أو حين يتعرّضون لأدنى طيش وأدنى مسغبة.
كان شعب الجنوب كله يدخل في خدمتها. كانوا يبادلونها الوداد بالوداد والوفاء بالوفاء. وكانوا يثقون بها، كما تثق الأمم بصالحيها، وكما يثق رب البيت بربه وبنبيه من بعده. كانت الثقة حقا متبادلة. وكانوا يقتسمون الأرض والرغيف سواسية، فلا تكون بينهم قسمة ضيزى.
ذاق أهل الجنوب كلهم، كما أهل الممانعة، طعم الوفاء كما لم يذوقوه في أية مرة، على مرِّ العهود مع السلطات الحاكمة، ولهذا آمنوا بها، وكرهوا السلطات كلها على مرِّ التاريخ. كانوا يرون فيها سلطات غاشمة وطاغية وظالمة، خصوصا بعدما أرضعتهم المقاومة من لبانها: شرفا ووفاء وشهادة على طريق القدس. كانوا يرون في تلك الشهادة الطريق إلى الجنة.
حفرت المقاومة تحت بيوت الجنوبيين الأنفاق، لتحميهم من الذؤبان الشاردة. فبذلوا لها باطن الأرض، بكل سخاء، في القرى والمدن وفي الحقول وفي الكروم، وفي الجبال والوديان. جعلوا مشاعات البلديات كلها لها. يردّون على الجميل بالجميل، وعلى التحية بأفضل منها، ويبادلونها الوفاء بالوفاء. فصارت الحياة كلها بينهم، مودّة ورحمة. دخلوا في طاعتها، ودخلوا في خدمتها، وكانوا يقدمون ما في بطون النساء من أجنة، فكيف يبخلون عليها بتراب الأنفاق؟! بل كيف يبخلون عليها، بنفق من هنا ونفق من هناك؟! كانوا يتذكّرون نفاق السلطات معهم، وأنها بخلت عليهم بنفق يقيهم شر عداوة تاريخية مقيمة على الحدود، ولهذا جعلوها تتمدد بينهم. فصاروا بيئتها الحاضنة.
خمسون عاما والمقاومة الوفيّة والودودة، ترضع شعبها من لبانها صافيا بلا غش. صار جميع أهل الجنوب أخوة في الرضاع، وكان أعظم الرضاع عندها رضاع الكبير، فما بخلت به مع القادة والرؤساء والسادة الوزراء والنواب، في لبنان وفي سوريا وفي فلسطين وفي العراق وفي اليمن السعيد، صعدتهم إلى السلطات كافة بسلاحها وبمالها، وحّد رضاع الكبير بين الأخوة/ الأعداء، فكانت قلوبهم معها وعيونهم عليها، كانوا يلاحقونها، يقولون لها: هل من مزيد؟
وجدت المقاومة نفسها في برهة التجلّي، أنها أمّا للجميع، بل هي «أمة في مقاومة». وحين جاء العصف والقصف، وجدت من حولها في برهة التخلّي. فرّ الأسد على وجهه وعادت سوريا إلى أهلها، وسقط القناع عن وجوه النفاق كافة، وصارت الأنفاق تشي بما وقع لها طيلة خمسين عاما، وما كانت الرايات ولا الأنفاق، تحمي من شظايا قنبلة: قتل سيد المقاومة.
أغارت طائرات العدو على غزة وعلى أهل غزة، وها هي كما نراها. وأغار طيران العدو على الجنوب والبقاع والضاحية، وصار الشعب ينظر إلى منازله وقراه ومدنه، من خلال تتبّعه لصور الأقمار الصناعية، فلا يجرؤ على الوقوف عليها، تأتيه الأوامر من العدو: لعلّه يخشى.
واليوم يجلس اللبنانيون القرفصاء فوق ركام القرى والبلدات، يجدون الأعداء قد سبقوهم لتشييد البوابات وتنظيم أوامر المرور، فيتحسّرون على عقود من الأعوام، على عقود من الأوهام. فكل السلاح وكل الأنفاق وكل الأموال، فوق الأرض وتحت الأرض للعدو. كان الجنوب سعيدا طابقا واحدا، في عهود البكوات والأغوات والإقطاع والمقاطعجية والسلطة المنشقة عنهم، فصار اليوم طابقين. يتابع العدو تدمير الطابق الأول كسلطة متشعثة. ويتابع أيضا تدمير الطابق الثاني كمقاومة مثخنة. وأما المقاومة الودود، فلا تزال على ودادها، بعد أن طاحت باللبن تحتها، كناقة رؤوم غشوم، فنفض القوم يدهم منها، وانفضوا عنها، على قاعدة من الناقة التي كبت للذقن، فكثرت السكاكين حولها!
* أستاذ في الجامعة اللبنانية






