رحل القاضي حسن أحمد شحرور، وغاب وجهه البشوش الذي كان يشرق بابتسامة صافية، تنمّ عن طيبة قلبٍ وسموّ نفسٍ، وتفيض بالوداعة والوقار. كان رجلاً حمل في وجدانه مشعل العدالة، وفي سلوكه أبهى صور الاحترام، فجمع بين النزاهة التي لا يطالها شك، والتواضع الذي يأسر القلوب، والعلم الغزير الذي يضيء دروب العدالة.
أمضى الفقيد ما يزيد على ثلاثين عاماً في خدمة القضاء، متنقلاً بين المواقع والمناصب، حيث ترك أثراً لا يُمحى وبصمةً لا تُنسى. فمنذ أن باشر عمله عضواً لدى محكمة الدرجة الأولى في النبطية عام 1997، وقاضياً منفرداً منتدباً في تبنين في العام نفسه، أظهر جدّيته وحرصه على إحقاق الحق. ثم عُيّن قاضياً منفرداً في النبطية عام 1999، قبل أن يتسلم منصب قاضي تحقيق في لبنان الجنوبي عام 2002، وهو موقع بالغ الدقّة، يتطلب نزاهة وشجاعة وعمقاً في الفهم القانوني. وفي عام 2004، تكرّست الثقة به مجدّداً، فشغل منصب قاضي تحقيق ومنتدباً محامياً عاماً لدى النيابة العامة الاستئنافية في النبطية.
وفي عام 2009، تسلّم مسؤولية مستشار لدى المحكمة العسكرية الدائمة، فكان مثال الحكمة والرصانة في أصعب الملفات وأكثرها حساسية. ثم عيّن في التشكيلات القضائية الأخيرة مستشاراً في الغرفة الخامسة لدى محكمة الاستئناف في جبل لبنان، وواصل أداء رسالته حتى الأيام الأخيرة. إنها مسيرة طويلة لم يلوّثها غبار السياسة، ولم تمسّها شبهة، بل ازدانت بالعدل والإخلاص والالتزام.
لقد كان القاضي حسن شحرور مدرسةً في القضاء، ومدرسةً عنوانها التواضع والوفاء والشرف، وقوامها رقيّ الخلق وسموّ المبادئ. اشتهر بعدله ورزانته، ووقفته الصلبة في وجه الظلم، فلم يعرف يوماً المساومة في قول الحق، ولم يقبل أن يُظلم ضعيف في محكمته. كان يستمع إلى جميع المحامين باهتمام، ويعطي كلّ ذي حق حقّه، متجرداً من أي هوى، متسلحاً بضمير حيّ لا يعرف المهادنة في مسائل الحق والعدالة.
ولذلك لم يكن مجرد قاضٍ يُصدر الأحكام، بل كان قدوةً ومثالاً، ومرجعاً فقهياً في القانون، يُستأنس برأيه، ويُحتكم إلى حكمته. ترك وراءه إرثاً قانونياً وإنسانياً كبيراً، وأورث تلامذةً من القضاة النزيهين الذين يسيرون على خطاه، حاملين في نفوسهم قيم المروءة والصفاء، ومستضيئين بعدالته واستقامته.
على الصعيد الشخصي، كان الفقيد أباً حنوناً، وزوجاً وفيًّا، ورجل عائلة يحتضن أسرته بمحبة ودفء. نتقدّم بخالص العزاء إلى زوجته الزميلة أحلام علّام، وإلى ابنه جاد، وبناته: القاضية دينا زوجة النقيب كمال عيديبي، والزميلة ليال، والزميلة ريما، كما نتقدّم بالعزاء إلى أشقائه: العميد الحاج علي، وحسين، والحاج محمد، والحاج محمود، والحاج إبراهيم. إن خسارتهم اليوم كبيرة، لكن عزاءهم وعزاؤنا أنّ فقيدهم سيبقى حيًّا بسيرته المضيئة وذكراه العطرة.
أيها القاضي الفاضل، لقد رحلت عن دنيانا، لكنك تركت لنا درساً خالداً في النزاهة، ورسالةً بليغة في الإخلاص، وإرثاً فكرياً وقانونياً سيظلّ مشعلاً للأجيال القادمة. كنت مدرسةً في الخلق والتواضع، وكنت صوتاً للعدالة حين صمتت الأصوات، وكنت ميزاناً للحق حين اختلّت الموازين.
إننا نودّعك اليوم بقلوب مفعمة بالحزن، لكننا على يقين بأنك في جنان الخلد، حيث النعيم المقيم والرضوان العظيم. ستظلّ سيرتك حاضرةً في الذاكرة والوجدان، وستبقى خالدةً في القلوب والأفئدة. وإنّا للّه وإنّا إليه راجعون.