بيروت - لبنان

اخر الأخبار

7 تشرين الأول 2025 12:00ص صرخة أمّ ثكلى

حجم الخط
عائلتي تحمل الجنسية اللبنانية، هويتها من شعب الحياة، مسكنها أرض البشرية، دينها الرحمة، مذهبها الحب وطائفتها العطاء.
تتكوّن عائلتنا من الأب شادي شرارة (٤٦ عاماً)، الأم أماني بزي (٣٣ عاماً)، وابنتينا أسيل (١٣ عاماً) وسيلين (١٠ أعوام)، إضافةً إلى التوأم هادي وسيلان (سنة وسبعة أشهر).
في ٢١ أيلول، بين الساعة ٤:٤٢ و٤:٤٣ مساءً، على طريق عام مكتظ بالسيارات، بينما كان هادي وسيلان، تؤامي الصغار، يجلسان بجانب اختهم الكبيرة بكرسي الأمان، يمضعان لُهايتَيهما ويحاولان أن يغفوا بهدوء، كان يعلو صوت سيلين من المقعد خلفهم «يلا تنام، يلا تنام».
فجأة بلحظة انقلبت الحياة الى كابوس العمر.
أصاب صاروخ إسرائيلي طرف الباب الذي يربط بين شادي وأسيل.
لحظة سقوط الصاروخ لم نسمع شيئاً... عمّ السكون، وغرقت عيناي في سواد كثيف، كأنني بين غياب وعودة. كنت أنتظر أن يعود بياض عيوني فقط لأطمئن على زوجي وأولادي. وفجأة عاد البصر... فإذا بزوجي شادي مسند رأسه على كتفي كأنه نائم، مددت يدي لأضمّه وأودّعه فإذا به بلا رأس ومقطوع كتفه وجنبه الشمالي.
التفتُّ خلفي بسرعة لأرى أولادي... فوجدت ابنتي أسيل، الكبيرة، حيّة وسط الدم والأشلاء. سمعت صرختها: بابا، بابا! ثم غابت عن الوعي، يديها ترتجفان كثيراً وتحمل بين ركبتيها قطعة كبيرة من أشلاء أبيها. سمعت صوتي وأنا أناديها، تحاول فتح عينيها لكن نزيف راسها أقوى... ثم نادتني بصوت متقطع: ماما، ماما.
وانتقلت بعيني إلى هادي وسيلان... فإذا بهما كاملَي الأجسام لكن مقطوعي الرأس، جسديهما الصغيران متناثران في كل مكان. أما سيلين... فكانت وراءهم، لكنها نائمة بسلام، وكأنها تطلّع إلى السماء من دون أي نقطة دم، بكامل أعضائها.
لكن بين لحظة وأخرى صار المشهد دماً وصمتاً وأسئلة بلا جواب.
أسيل، طفلتي الكبيرة… هل رأت؟ هل سمعت ما رأيته أنا؟ هل لمست أشلاء أخوتها وأبيها؟
ماذا يوجد في عرباية السوق لتؤامي، وشنطة صغيرة فيها طعامهم وحفاضاتهم؟ ماذا حصل؟
أنا اليوم أكتب من سريري في المستشفى، وأسيل في الطابق السفلي في العناية المركزة تصارع الموت والوجع.
بقينا على قيد الحياة لحكمة من الله، وفي النهاية نؤمن بكل أدياننا بحكم الله.
رحمة لطيوري الأربعة الأبرياء الأطهار المظلومين ودعائكم لشفائي أنا وأسيل.

اماني بزي