بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيلول 2025 12:00ص غزة النصر... حين يصير الصبر سلاحاً

حجم الخط
ترى في عيون الأطفال حيرةً تختلط بالخوف، لكنك تلمح بين ملامحهم شعاع الرجاء والأمل. وفي وجوه الكبار تقرأ آثار الخيبات، غير أنّها تتوشّح بيقين راسخ بأن الله معهم؛ فلا يأس يسكن قلوبهم، ولا قنوط يتسرّب إلى أرواحهم.
نساؤهم يُستشهدن وهنّ ثابتات، محجبات، صابرات محتسبات، وأصواتهن لا تنقطع عن الحمد للّه في كل حال. لم أرَ شعباً أقوى ولا أصدق صبراً من هذا الشعب الذي يتنقّل بين الشمال والوسط والجنوب، يحمل فتات متاع بالكاد يكفي للبقاء على قيد الحياة، ومع ذلك يظل قلبه معلّقاً بالأرض.
يحملون أشلاء أحبتهم على عربات خشبية تجرّها دواب إن وجدت، أو بأيديهم إن لم يجدوا، ويشيّعون في النهار عشرات الجنائز، كأنّ الصلاة عندهم لم تعد إلّا صلاة وداع.
لقد ذاقوا كل صنوف القهر: قصف بالطائرات، وصواريخ حارقة، ومدافع ودبابات، وجوع ينهش الأجساد مع فقدان الدواء وأبسط أدوات العلاج. لم يبقَ ورق على شجر إلّا أكلوه، ولا عشب على أرض إلّا اقتاتوا به؛ حتى غدت أجسادهم هزيلة، ورؤوسهم كأنها جماجم حيّة. أمّا الماء الذي يشربونه، فلا يصلح للحيوان، ومع ذلك يُجبرون عليه.
تُقطع أطرافهم بلا مخدّر لغيابه، في مشافٍ لم تبقَ منها إلّا هياكل. فأي وجعٍ أشدّ من هذا؟ أي قهرٍ وأي مأساة؟
ورغم كل شيء، ما زالوا يتمسّكون بأرضهم، يرفضون الرحيل، ويصبرون متوكّلين على ربهم، مترقبين ساعة الفرج القريب. إنهم من أعظم الشعوب إرادةً، وأصلبها عوداً؛ لا تُثنيهم آلة الحرب المتطورة، ولا يُخيفهم جبروت التكنولوجيا، ولا تنكسر عزيمتهم أمام ظلم العالم.
أمّا العالم، فيتفرّج ببرود؛ لا يحرّكه موتُ طفل، ولا جوعُ رضيع. اعتاد سماع أخبار الشهداء والجرحى كما يعتاد أخبار الطقس؛ لا يتجاوز ردّ فعله استنكارات جوفاء، وإدانات كاذبة، ودعوات زائفة.
لقد تجرّد هذا العالم من أخلاقه، فَقدَ قِيَمه، وأسقط إنسانيته. أثبتت المؤسسات الدولية ومجالس الأمن والدساتير أنّها لا تعدو أن تكون حبراً على ورق.
أما الدم الفلسطيني فمستباح في نظرهم، وكأن الطفل الفلسطيني أرخص من أي طفل آخر! لو مات طفل غربي في اعتداء، لاهتزّت الدنيا، ولجُنّ العالم استنفاراً. أمّا الفلسطيني، فدمه عندهم معذور، كأنّ المأساة قدرٌ لا يُستنكر.
تبّاً لهذا الزمن! سحقاً لعالم بلا رحمة، ولدساتير تدّعي العدل وهي مسوّدة بالزيف.
غزة اليوم غُسلت بدماء أبنائها وبناتها، واختلط ترابها بأرواح الشهداء. بقي المرابطون فيها شامخين؛ لم تقدر عليهم لا الصواريخ، ولا الطائرات، ولا المختبرات، ولا كل أدوات الحرب والتكنولوجيا.
سلامٌ وإجلالٌ لهؤلاء الأبطال، الجبابرة الذين تمسّكوا بحقهم في الأرض والكرامة، غير هيّابين من أي قوة على وجه الأرض. ويصدح في قلوبهم وعد الله: {كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّـابِرِينَ}.

* كاتب