في توقيتٍ سياسيّ دقيق، جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى الجنوب لتتجاوز بُعدها البروتوكولي، وتتحوّل إلى حدثٍ ذي دلالات وطنية وسياسية عميقة، لعلّ أبرزها الإشارة الواضحة إلى عودة الدولة اللبنانية إلى واحدة من أكثر ساحاتها حساسية، بعد سنواتٍ طويلة من الغياب،أو الحضور الخجول والمنقوص.
الترحيب الشعبي الواسع الذي قوبلت به جولات اليومين، والارتياح الذي عبّر عنه نواب المنطقة، لا يمكن فصلهما عن مضمون الرسائل التي حملها رئيس الحكومة، لا عن مسار الزيارة ولا عن خطة العمل التي أعلنها، القائمة على ثلاثة عناوين مترابطة: الإغاثة العاجلة، إطلاق ورشة البنى التحتية، وإعادة إعمار القرى المهدّمة وفق رؤية تنظيمية حديثة تجعلها «أحلى مما كانت عليه قبل الحرب». ولكن يبقى الأهم من العناوين التنفيذية، هو ما عكسته الزيارة من تحوّل في مقاربة الدولة لملف الجنوب.
للمرة الأولى منذ فترة طويلة، تظهر الدولة كمرجعية مباشرة وحاضرة في الجنوب، ليس فقط عبر الزيارة، بل من خلال تزامنها مع عودة الجيش اللبناني إلى المناطق الحدودية، بما يكرّس معادلة جديدة عنوانها استعادة الدور السيادي للمؤسسات الشرعية. هذا المشهد، بحد ذاته، يحمل رسالة مزدوجة: إلى الداخل اللبناني، بأن الدولة قادرة، حين تتوافر الإرادة السياسية، على الإمساك بملفاتها الحساسة؛ وإلى الخارج، بأن الجنوب لم يعد ساحة سائبة أو متروكة لهيمنات تنظيمات غير شرعية، ولظروف الأمر الواقع.
في هذا السياق، تكتسب مسألة إعادة الإعمار أهمية استثنائية. فالإصرار على أن تكون الدولة هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن إدارة هذا الملف، يشكّل قطيعة واضحة مع تجربة ما بعد حرب تموز 2006، حين تولّت قوى حزبية، وفي مقدمتها حزب الله وحركة أمل، استلام الأموال من الدولة والمساعدات من الخارج وتوزيعها على المتضررين، والإشراف على عمليات إعادة الإعمار،ما أدى عملياً إلى تهميش دور المؤسسات الرسمية وتكريس منطق الدويلة داخل الدولة. اليوم، يحاول الرئيس نواف سلام إعادة الاعتبار إلى مرجعية الدولة الجامعة، القادرة على التخطيط، والتمويل، والتنفيذ، والمحاسبة.
سياسياً، لا يمكن عزل هذه الزيارة عن مناخ إعادة ترتيب العلاقات بين الرئاسات والمؤسسات. فهي من جهة تعزّز التنسيق بين رئيسي المجلس النيابي والحكومة، وتؤشر إلى مرحلة أكثر هدوءاً على مستوى العمل التنفيذي والتشريعي. ومن جهة أخرى، تساهم في تبريد التوتر القائم بين السراى الكبير وحزب الله، من دون أن تعني بالضرورة تطابقاً في الرؤى أو الخيارات، بل قد تشكّل خطوة أولى على طريق حوار وتفاهم تدريجي، عشية الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من تنفيذ قرار حصرية السلاح بيد الدولة.
من هنا، يمكن قراءة الزيارة كإشارة سياسية ذكية، تحاول الجمع بين الواقعية والجرأة: واقعية في التعامل مع القدرات المتوافرة لبلسمة الجراح، وجرأة في إعادة طرح مسألة دور الدولة من دون استفزاز أو صدام. مبادرة رئيس الحكومة الناجحة لا تستهدف أحداً، لكنها في الوقت نفسه لا تترك مجالاً للالتباس حول المرجعية الوطنية الوحيدة المخوّلة إدارة شؤون الحرب والسلم، والإعمار والتنمية، إلى جانب توظيف كل علاقات لبنان العربية والدولية لخوض المعركة الديبلوماسية ضد الإحتلال لتحرير كامل التراب اللبناني، وإطلاق الأسرى، وتطبيق القرار ١٧٠١.
إلى ذلك، تحمل الزيارة بُعداً إنمائياً يتجاوز إعادة ما تهدّم. فالدعوة إلى تنظيم مُدني جديد للقرى الجنوبية تفتح الباب أمام مقاربة مختلفة للتنمية، تقوم على التخطيط المستدام، وتحسين شروط العيش، وربط الإعمار بخطط اقتصادية واجتماعية، بدل الاكتفاء بالترميم العشوائي لما دمّرته الحروب، كما كان يحصل سابقاً. وهذا من شأنه إذا تحقّق، أن يساهم في تثبيت السكان في أرضهم، لا عبر الخطاب التعبوي، والمزايدات الشعبوية، بل من خلال وجود الدولة ومؤسساتها الخدماتية، من كهرباء وإتصالات ومياه ومدارس ومستشفيات، والعمل على تأمين الخدمات والحقوق، وتوفير فرص العمل والعيش الكريم.
الواقع أن جولة الرئيس سلام على المناطق الجنوبية تُشكّل محطة مفصلية، ليس لأنها الأولى من نوعها وحسب، بل لأنها تعكس محاولة جدّية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجنوب، وبين السلطة والمواطن، وبين السياسة والإنماء. هي زيارة تعيد فتح النقاش حول دولة السيادة والقانون الممكنة في لبنان، دولة لا تنازعها التنظيميات الحزبية، ولا تختبئ خلف التسويات، بل تحضر حيث يجب أن تكون: في الميدان، ومع الناس، تُواكب معاناتهم، وتُحاكي آمالهم، وتحقق طموحاتهم بحياة آمنة ومستقرة، وتعمل على استرداد كامل الأراضي اللبنانية المحتلة.