شكّل الموقف الإيراني الرافض لإعلان «النوايا» الذي تم التوصل إليه خلال الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية ــ الإسرائيلية في واشنطن صدمة سياسية واسعة في لبنان، ليس فقط بسبب مضمونه، بل أيضاً بسبب توقيته وطريقة التعبير عنه. فقد فوجئ اللبنانيون بأن يأتي التدخل الإيراني بالرفض العلني قبل أن يحسم حزب الله موقفه النهائي من نتائج المفاوضات، ما أعاد إلى الواجهة الأسئلة القديمة حول حدود الدور الإيراني في الشأن اللبناني، وحول مدى استقلالية قرار حزب الله في المفاصل الحيوية المرتبطة بالمحور الإيراني.
ولم يكن مستغرباً أن يثير هذا التدخل ردود فعل سياسية وشعبية واسعة، لأن المفاوضات التي جرت برعاية أميركية تناولت قضايا لبنانية تتصل مباشرة بتثبيت وقف إطلاق النار، والانسحابات الإسرائيلية، وترتيبات الأمن على الحدود، وهي ملفات تشكل محور إهتمام اللبنانيين، ويفترض أن تكون موضع نقاش بين الدولة اللبنانية والجهات المعنية مباشرة، لا أن تتحول إلى ورقة للمساومة في مفاوضات لحسابات إقليمية أوسع.
في هذا السياق، اكتسب موقف رئيس الجمهورية أهمية استثنائية، بعدما جاء الرد الرئاسي واضحاً وحازماً في التأكيد أن القرار اللبناني شأن سيادي، لا يقبل الإملاءات الخارجية من أي جهة كانت. وقد عكس هذا الموقف تطلع شريحة واسعة من اللبنانيين إلى استعادة هيبة الدولة، ودورها المرجعي في إدارة الملفات الوطنية الكبرى، بعيداً عن منطق المحاور والصراعات الإقليمية، التي كبّدت البلاد أثماناً باهظة نتيجة الانخراط فيها خلال العقود الماضية.
غير أن ما زاد من حدة الأزمة لم يكن الرد الإيراني الأول فحسب، بل الطريقة التي اختار بها وزير الخارجية الإيراني الرد على موقف الرئاسة اللبنانية. فالعبارات التي استخدمت تجاوزت حدود الاختلاف السياسي والدبلوماسي المألوف بين الدول، وبدت وكأنها تعمّدت الإفتئات على موقع الرئاسة الأولى، والإستخفاف بالمرجعية الدستورية التي تمثلها. وقد أثار ذلك استياءً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية اللبنانية، لأن الاعتراض على موقف رسمي لبناني شيء، والتعرض لمقام رئاسة الجمهورية أو التعريض بحقها في التعبير عن الموقف السيادي للدولة شيء آخر تماماً.
إن احترام سيادة الدول لا يقتصر على الامتناع عن التدخل العسكري أو الأمني في شؤونها، بل يشمل أيضاً احترام مؤسساتها الدستورية ورموزها الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب سياسي أو دبلوماسي يتجاوز هذه القواعد يفتح الباب أمام مزيد من التوتر ويضعف فرص بناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
والمفارقة المخجلة أن إيران تدرك أكثر من غيرها، بأن لبنان يمرُّ بواحدة من أصعب المراحل في تاريخه الحديث. فالعدوان الإسرائيلي المستمر وما يخلّفه من دمار واسع وتهجير لعشرات الآلاف من المواطنين، واستنزاف للاقتصاد الوطني، يفرض على الدولة اللبنانية تحديات هائلة تتجاوز الإمكانات المتاحة، ويدفعها للبحث بكل السبل لوقف آلة الحرب الإسرائيلية عن إرتكاب الجرائم اليومية ضد أهلنا في الجنوب، الذين إضطروا إلى النزوح من قراهم وتحولوا إلى نارحين في الشوارع والأماكن العامة. ومع ذلك، فإن هذه الظروف القاسية لم تمنع المؤسسات الرسمية من متابعة جهودها لإعادة تثبيت سلطة الدولة، واستعادة دورها الطبيعي في إدارة شؤون الحرب والسلم، وتأمين متطلبات الصمود والتنمية في آن.
ولعل أبرز ما تجلّى في مجال التنمية خلال الفترة الأخيرة هو النجاح الذي حققته الحكومة، بقيادة رئيسها، في إنجاز خطوة وطنية تاريخية طال انتظارها لعقود طويلة، عبر إطلاق ورشة العمل والتجهيز لتشغيل مطار القليعات. فالمشروع الذي ظل لسنوات مجرد حلم لأهالي الشمال، وشعار انتخابي يُرفع في المواسم السياسية ويُطوى بعد انتهاء الاستحقاقات، بدأ يتحول اليوم إلى واقع ملموس، بفعل الإرادة السياسية والعمل الدؤوب والمتابعة المستمرة.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز في أنه يُثبت أن الدولة اللبنانية، رغم كل الأزمات والنكبات والانقسامات والضغوط الخارجية والداخلية، ما زالت قادرة على تحقيق أهداف وطنية كبرى، عندما تتوافر الإرادة والقيادة والرؤية الواضحة. كما أنه يبعث برسالة أمل إلى اللبنانيين الذين سئموا من الوعود الكاذبة، ومن الصراعات الفارغة التي استنزفت بلادهم وأعاقت قيام الدولة التي يحلمون بها.
بين التدخلات الخارجية التي تحاول التأثير في القرار الوطني، وبين التحديات الأمنية والاقتصادية التي تثقل كاهل البلاد، يقف لبنان اليوم أمام فرصة نادرة لإعادة الاعتبار لمؤسساته الدستورية ولمنطق الدولة. فالرد الحازم في زمن النكبات على أي مساس بالسيادة لا يكتمل إلا بمزيد من الإنجازات الوطنية التي تعزز ثقة المواطنين بدولتهم، وتؤكد أن مستقبل لبنان لا يُصنع في العواصم الخارجية، بل بإرادة اللبنانيين أنفسهم، ومن خلال مؤسساتهم الشرعية وحدها.