لم أعد أفهم.
كلما ظننا أننا وصلنا إلى الحد الأقصى من العبث، يأتينا الواقع بما هو أكثر قسوة.
استُهدفت أمل خليل، التي كرّست قلمها للحقيقة. واستُهدفت منى خليل، التي كرّست سنوات عمرها لحماية السلاحف البحرية والكائنات الضعيفة. كما اسْتُهدف الدكتور في الجامعة اللبنانية جايمس كرم مع ابنه وابنته. ثم بالأمس استُهدف عميد في الجيش اللبناني ومرافقوه، بعد أقل من ثمانٍ وأربعين ساعة على إعلان وقف إطلاق النار.
ماذا يعني كل هذا؟
هل هي مجرد أهداف عسكرية متفرقة؟ أم أننا أمام شيء أعمق وأكثر خطورة؟
أحيانًا أشعر أن ما يُستهدف لم يعد أشخاصًا بعينهم، بل كل ما يرمز إلى الحياة والاستمرار. الصحفي الذي يوثق الذاكرة. الناشط الذي يحمي الطبيعة. الضابط الذي يحاول حماية الاستقرار. المزارع في أرضه. الطفل في منزله. الأم التي تنتظر أبناءها.
كأن هناك حقدًا لا يكتفي بإزهاق الأرواح، بل يريد قتل المعنى نفسه.
يريد أن يقول لنا إن لا مكان آمنًا، ولا قيمة للجهد، ولا جدوى من الأحلام، ولا حصانة للعلم أو البيئة أو الثقافة أو المؤسسات.
الحروب دائمًا قاسية، لكن هناك فارقًا بين حرب تستهدف خصمًا، وحرب يبدو فيها كل ما يمثل الحياة هدفًا مشروعًا.
كيف يمكن لإنسان أن يرى من يحرس السلاحف البحرية عدوًا؟ كيف يمكن أن يصبح الصحفي هدفًا؟ وكيف يمكن أن يُقصف من يُفترض أنه يعمل على تثبيت الاستقرار بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار؟
هذه الأسئلة لم تعد سياسية فقط. إنها أسئلة أخلاقية وإنسانية وحضارية.
ما الذي يحدث للعالم عندما يصبح الدفاع عن الحياة سببًا للموت؟
وما الذي يحدث للإنسان عندما يعتاد رؤية هذه المشاهد حتى يفقد قدرته على الدهشة والغضب؟
الأمم لا تموت فقط عندما تُهدم بيوتها. تموت عندما تفقد أفضل أبنائها. عندما تخسر أصحاب الخبرة والمعرفة والضمير. عندما يُقتل الذين يزرعون الأشجار، ويكتبون الكتب، ويحمون الشواطئ، ويعالجون المرضى، ويحفظون الأمن، ويؤمنون بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
لهذا لم تعد القضية بالنسبة لي مجرد أرقام تُضاف إلى نشرات الأخبار.
كل اسم يسقط هو سنوات من التعب، وذكريات، وعلاقات، وأحلام، ومشاريع كان يمكن أن تجعل هذا العالم أكثر إنسانية.
لهذا أسأل اليوم، كما يسأل كثيرون غيري:
إلى أين يقودنا كل هذا الحقد؟
وإذا كان الهدف هو كسر إرادة الحياة نفسها، فكيف يمكن للبشرية أن تدّعي أنها تتقدم بينما تسمح باستمرار هذا الجنون؟
ربما لم يعد السؤال متى تنتهي الحرب.
بل ماذا سيبقى من إنسانيتنا إذا اعتدناها؟
خلود وتار قاسم