إن
التقاط اللحظة الوطنية الراهنة، وفهم أسبابها ومآلاتها وتقاطعاتها ودقة التعامل مع
مخاطرها وأهوالها، يستدعي التحرر من الغايات الضيقة، والتعامل مع الوقائع
والمعطيات بنقاء وشفافية، بعيدا عن التأويل والإسقاطات، وتفادي تأثير الرغبات
والأهواء على قراءة الأحداث كما يستدعي فهم خصوصيات كل الأفراد والجماعات، على
تعددها وتنوعها، لأن خروج المجتمعات من الأزمات
والحروب والنزاعات، والوصول إلى السكينة والاستقرار والأمان،ليست مهمة عادية، بل هي مهمة وجودية كبرى، وتحتاج إلى طاقات
استثنائية، وميزات قيادية نادرة، والتاريخ الإنساني عرف قامات كبرى استطاعت أن
تلتقط اللحظة، وأن تفهم أسبابها وضرورتها، وتعاملت معها بحكمة وكرم ووفاء، من أجل
خلاص الأوطان والأجيال من الدمار والضياع.
إن
التقاط اللحظة لا ينسجم مع الامزجة الانفعالية والغوغائية، ولا مع الاستغراق في
الأوهام، ولا مع التمادي في تغليب الأنانيات الشخصية على الشراكة الوطنية، ولبنان دخل
في متاهات الموت والقتل والدمار، ويشهد حالات من التشرد والنزوح والانكسار
الإنساني والأخلاقي أمام أبسط مقومات الحياة، وحين لا تعود الكرامة واحترام الذات
من البديهيات، تصبح الأهوال هي الحاكم الفعلي للمشاعر، ويتقدم العنف والانتقام على
المودة والوئام، وفي تلك اللحظات القاسية، لا تحتمل الشعوب التمادي في الاستهتار ،
لأن الثمن سيكون ضياع الدولة والوطن والاجيال.
إن
التقاط اللحظة الراهنة في لبنان والمنطقة والعالم يبدأ من التسليم بأننا نعيش في
زمن شديد الاضطراب والقسوة والمرارة، يفتقد فيه العالم إلى الإنسان القادر على
إعادة الاعتبار إلى القيم والمبادئ التي صنعت التحولات الكبرى في تاريخ البشرية،
حين انتصرت المودة والشراكة على الغلو والاستكبار، وأشرقت لحظات بيضاء في ازمنة
سوداء من العنصرية والاستبداد، عبثت بالأمن البشري، وأبادت شعوبا ودولا وشرائع
وحضارات.
لبنان
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى قامات خلاقة تعيد الحب والمودة والوئام إلى
كل اللبنانيين افرادا وجماعات، وتثبت السكينة والأمان في كل شبر من أرض
لبنان، ان التقاط اللحظة الوطنية هو الأساس في إنقاذ لبنان، أما الاستغراق في
السرديات العقيمة، وفي اجترار ما مضى، وفي تبرير الخراب بدل تجاوزه، فهو أحد أسباب
ما أصاب هذا البلد في تاريخه الطويل من دمار وانهيار، إلى ان عرف لبنان قامات
ادركت اللحظة الوطنية ، وبادرت بإطلاق موجات من المعرفة والحكمة و الحب والكرم
والعطاء والتضحية من أجل لبنان، و حفظ الله لبنان.