الدبلوماسية ووحدة القرار… طريق الدولة إلى الاستقرار
تمرُّ المنطقة اليوم بمرحلة انتقالية دقيقة، تتبدَّل فيها موازين القوى، وتُعاد صياغة الأولويات الوطنية والإقليمية، بالتوازي مع إعادة تنظيم شبكة العلاقات الدولية وفق معادلات جديدة فرضتها التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية. وفي ظل هذه المتغيرات، تسعى دول المنطقة إلى إعادة تموضعها بما ينسجم مع مصالحها الوطنية ومتطلبات المرحلة المقبلة.
في هذا الإطار، شهدت سوريا بعد سقوط نظام الأسد وتولي الرئيس الشرع القيادة انفتاحاً دبلوماسياً متزايداً، بعد سنوات من العزلة، مستندة إلى تعاونها مع عدد من الدول في الملفات الأمنية والسياسية، وإلى سلسلة من الاتفاقيات الاقتصادية التي تهدف إلى تهيئة الظروف لمرحلة إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد. ويُنظر إلى هذا الانفتاح بوصفه مؤشراً على رغبة دولية وإقليمية في دعم الاستقرار وإعادة دمج سوريا في محيطها السياسي والاقتصادي.
وجاءت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، وما رافقها من إعلان عن دعم اقتصادي وسياسي، لتؤكد أهمية الاستقرار السوري بالنسبة إلى عدد من الشركاء الدوليين، ولتعكس توجهاً نحو تعزيز التعاون في ملفات إعادة الإعمار والتنمية، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تقوم على الشراكة بدل المواجهة.
وفي السياق ذاته، حملت زيارة وزير الخارجية السوري إلى لبنان دلالات سياسية لافتة، إذ عكست توجهاً نحو فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقوم على الحوار والتنسيق المباشر واحترام سيادة كل من البلدين، بما يخدم المصالح المشتركة ويؤسس لعلاقة أكثر توازناً واستقراراً بعد سنوات طويلة من التعقيدات والتوترات.
ورغم التحديات الاقتصادية والأمنية التي لا تزال تواجه سوريا، فإن مسار التعافي يبدو قد انطلق، مستنداً إلى إرادة سياسية تسعى إلى تجاوز آثار الحرب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة واستقطاب الاستثمارات اللازمة للنهوض الاقتصادي. فالانتقال من منطق الصراع إلى منطق التنمية يتطلب عملاً طويل النفس، لكنه يشكل الخيار الأكثر واقعية لتحقيق الاستقرار المستدام.
أما لبنان، فيجد نفسه أمام فرصة مماثلة لاستعادة سيادته الوطنية وتعزيز استقلالية قراره السياسي، من خلال تغليب المصلحة الوطنية على الاصطفافات الإقليمية، واعتماد الحوار والدبلوماسية وسيلة لمعالجة القضايا الخلافية. غير أن الانقسامات السياسية الحادة، وتباين الأولويات بين القوى الداخلية، لا تزال تشكل عقبة أساسية أمام بناء رؤية وطنية موحدة قادرة على مواجهة التحديات.
ولعل الفارق الجوهري بين التجربتين، وفق هذا المنظور، يكمن في مستوى وحدة القرار السياسي وآليات إدارة الأولويات الوطنية، إذ إن توحيد الجهود حول مشروع وطني جامع يمنح أي دولة قدرة أكبر على التفاوض وحماية مصالحها في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ويستحضر هذا الواقع قول الرئيس الفرنسي شارل ديغول: «الرجال قد تكون لهم صداقات، أما رجال الدولة فلا». فالدولة لا تُدار بالعواطف أو الولاءات، بل بحماية مصالحها الوطنية وصون استقلال قرارها، وهو ما يفرض تغليب المصلحة العامة على أي ارتباطات خارجية أو حسابات فئوية .
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح الدبلوماسية، ووحدة الصف الوطني، في تحقيق أفضل الشروط للدول العربية في مواجهة التحديات الإقليمية، بعد أن أثبتت المواجهات العسكرية محدودية قدرتها على إنتاج حلول دائمة؟ أم أن استمرار سياسة المحاور، ولا سيما في لبنان، سيُبقي القرار الوطني أسير التجاذبات الخارجية، ويؤخر قيام دولة قادرة على حماية مصالحها ورسم مستقبلها بإرادتها الحرة؟






