بيروت - لبنان

24 كانون الأول 2025 12:20ص بين منطق الدولة والشعبويات الإنتخابية

حجم الخط
لا أحد يتوقع أن يمر قانون الانتظام المالي وإعادة الودائع بسهولة في مجلس النواب، فالمسار التشريعي لهذا القانون محفوف بحسابات سياسية وانتخابية معقدة، خاصة أن العدّ العكسي للإنتخابات  النيابية المقبلة قد بدأ فعلياً، رغم الغموض الذي لا يزال يحيط بمواعيدها النهائية. 
هذا المناخ ينعكس بوضوح على أداء عدد من القوى السياسية، ويترجَم تردداً ملحوظاً لدى بعض الوزراء المحسوبين على كتل نيابية أساسية، كما ظهر في مناقشات مجلس الوزراء، حيث تتقدم الهواجس الشعبوية على الاعتبارات الاقتصادية والمالية الملحّة.
إقرار هذا القانون بالسرعة اللازمة لم يعد ترفاً تشريعياً ولا خياراً سياسياً قابلاً للتأجيل، بل بات ضرورة وطنية ملحّة لوقف النزيف المالي ووضع الاقتصاد اللبناني على سكة التعافي. فالقانون يشكل المدخل الأساسي لإعادة الانتظام إلى القطاع المالي والمصرفي، ويؤسس لإطار واضح لمعالجة الخسائر وتحديد المسؤوليات، بما يسمح بإطلاق مسار تدريجي لإعادة الودائع واستعادة الحد الأدنى من الثقة الداخلية والخارجية المفقودة منذ سنوات بالقطاع المصرفي، وبقدرة الدولة على الخروج من دائرة الشلل والعجز عن إتخاذ القرارات الإصلاحية الضرورية. 
الأهمية الاستثنائية لهذا القانون تكمن في كونه مفتاحاً لفتح أبواب المساعدات والتسهيلات المالية الخارجية، سواء عبر صندوق النقد الدولي، أو من خلال المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة. فهذه الجهات تشترط وجود إطار قانوني واضح وموثوق لإدارة الأزمة المالية، وتعتبر أن أي دعم أو تمويل لن يكون ممكناً في ظل الفوضى التشريعية وغياب الرؤية الإصلاحية. من هنا، فإن إقرار القانون يرسل إشارة جدية إلى الخارج بأن لبنان بدأ فعلاً بمواجهة أزمته، لا بالخطابات والمزايدات، بل بالإجراءات العملية.
في المقابل، فإن تعثر هذا القانون أو إغراقه في بازار التجاذبات الانتخابية سيؤدي حتماً إلى تداعيات مالية سلبية إضافية، أبرزها استمرار شلل القطاع المصرفي، وتآكل ما تبقى من الثقة بالاقتصاد الوطني، وتعميق عزلة لبنان المالية، ويزيد الضغوط على الأزمات الإجتماعية التي تُنغّص حياة معظم اللبنانيين. كما أن التأخير سيضاعف كلفة الحلول المستقبلية، إذ كلما طال أمد الأزمة ارتفعت الخسائر وتقلصت القدرة على المعالجة، ما يهدد بتحويل حقوق المودعين إلى وعود مؤجلة بلا أفق زمني.
المطلوب اليوم من القوى السياسية، داخل الحكومة وفي مجلس النواب، مقاربة هذا القانون بمنطق الدولة لا بمنطق الحملة الانتخابية. فالمواطنون الذين خسروا ودائعهم لا ينتظرون خطابات شعبوية، بل خطوات إصلاحية وقرارات مسؤولة تعيد تحريك عجلة الاقتصاد، وتفتح نافذة أمل للخروج من النفق.
 بين إقرار مدروس وسريع يفتح الباب أمام الدعم والتعافي، وتعطيل مُكلف يرسخ الانهيار، يبقى الخيار واضحاً، والمسؤولية تاريخية لا تحتمل التردد والتخاذل من الحكومة ولا من مجلس النواب.