تحدِّيات مفاوضات روما: الإنسحاب وفصل المسارين
لم يعد مقبولاً أن تكتفي الإدارة الأميركية بدور الوسيط الناقل للرسائل، فيما تواصل إسرائيل التنصل من التزاماتها. فواشنطن ليست مراقباً محايداً، بل هي الراعي المباشر للاتفاق الإطاري، ومن ثَمّ فإن استمرار التعثر يضع صدقيتها السياسية على المحك، قبل أن يضع مصير المفاوضات نفسها. وإذا كانت الولايات المتحدة عاجزة أو غير راغبة في إلزام إسرائيل بتنفيذ أولى خطوات الانسحاب، فإن السؤال المشروع يصبح: ما الجدوى من مفاوضات لا يلتزم ببنودها أحد ؟
الواقع أن ما تمارسه الحكومة الإسرائيلية لم يعد مجرد تباطؤ في التنفيذ، بل سياسة ممنهجة لإفراغ الاتفاق من مضمونه. فهي تستخدم المفاوضات غطاءً لإدامة الاحتلال، وتبتكر في كل محطة شروطاً جديدة لم ينص عليها الاتفاق، في محاولة لفرض وقائع ميدانية وسياسية بقوة الأمر الواقع، مستفيدة من غياب أي ضغط أميركي جدّي يضع حداً لهذا السلوك.
وهنا تقع المسؤولية الأولى على الولايات المتحدة، الراعية المباشرة للمفاوضات. فواشنطن لا تستطيع أن تطلب من لبنان الاستمرار في خيار التفاوض، فيما تمتنع عن إلزام إسرائيل بأبسط موجبات الاتفاق الذي رعته بنفسها. الأمر الذي يضاعف من الإحراجات والإنتقادات التي تتعرض لها الحكومة اللبنانية بسبب عدم تحقيق المفاوضات المباشرة أي تقدم يُذكر.
ولذلك، فإن الامتحان الحقيقي للإدارة الأميركية لم يعد في إصدار البيانات أو تكرار الوعود، بل في ممارسة ضغط سياسي واضح على الحكومة الإسرائيلية لإطلاق المرحلة الأولى من الانسحابات، باعتبارها المدخل الطبيعي لاستعادة الثقة بالعملية التفاوضية.
كما أن البدء بالانسحاب يحمل بُعداً سياسياً يتجاوز الساحة اللبنانية، لأنه يشكل البرهان العملي على أن المسار اللبناني مستقل عن أي مسارات إقليمية أخرى، وفي مقدمها المفاوضات الأميركية – الإيرانية. فلبنان يرفض أن يبقى رهينة حسابات لا علاقة له بها، ومن حقه أن تُنفذ الاتفاقات الخاصة به وفق جدولها الزمني، بعيداً عن منطق ربط الملفات، أو استخدامه ورقة تفاوض في صراعات الآخرين.
إن زيارة الرئيس جوزاف عون إلى البيت الأبيض لن تكون مناسبة بروتوكولية، ولا محطة لالتقاط الصور. ولا ينبغي أن تقتصر على عبارات الدعم السياسي، بل يفترض أن تخرج بنتائج عملية وملموسة، تبدأ بإلزام إسرائيل بتنفيذ الانسحاب الأول، وتترافق مع تعزيز الدعم الأميركي للجيش اللبناني، بما يمكّنه من استكمال انتشاره وتثبيت سلطة الدولة وسيادتها على كامل المناطق التي يتم الانسحاب منها.
أما إذا إنتهت الزيارة من دون خطوات تنفيذية، واستمرت إسرائيل في سياسة التهرب والتسويف، فإن الأصوات اللبنانية المطالبة بتجميد المفاوضات المباشرة ستزداد قوة، لأن أي تفاوض يفقد قيمته عندما يتحول إلى غطاء للمماطلة، ولإفراغ العملية التفاوضية من مضمونها، ومنح إسرائيل وقتاً إضافياً لتكريس سياسة فرض الأمر الواقع.






