كتب محرر الشؤون التربوية
تقف الجامعة اللبنانية اليوم أمام استحقاق قانوني دقيق، إذ تشارف ولاية رئيسها الدكتور بسام بدران على الانتهاء، في ظل نقاشات تشريعية حول إمكانية السماح له بالترشح لمرة ثانية مما يعني حكماً تمديداً مقنعاً له. وتُثير هذه المسألة جملةً من الإشكاليات القانونية الجوهرية، في مقدّمتها مبدأ عمومية القانون الذي يحظر سنّ تشريعات مصمَّمة لخدمة أشخاص بعينهم، وهو مبدأ راسخ في الفقه الإداري ويُشكّل أحد أعمدة دولة القانون.
وفي هذا السياق، تنقل أوساط متابعة أن جهات مقرّبة من بدران باتت تُسرّب اسم الوزير السابق الدكتور علي حمية مرشحاً محتملاً لرئاسة الجامعة، عبر اتصالات أُجريت مع شخصيات سياسية، ولا سيما المسيحية منها. وليس هذا التسريب عفوياً أو نابعاً من قناعة فعلية بترشيح حمية، بل هو الورقة الوحيدة المتبقية في يد هؤلاء المقرّبين، بعد أن تراكمت أمام مشروع تعديل القانون عقبات قانونية وأكاديمية وسياسية باتت تجعل تمريره أمراً عسيراً. فاللجوء إلى «فزاعة حمية» هو اعتراف ضمني بأن الحجج الأخرى استُنفدت، وأن الرهان الأخير هو بثّ الخوف من البديل لا تسويق جدارة المُمدَّد له. والأهم أن هذا الاسم لا يُطرح في سياق تنافسي طبيعي، بل يُوظَّف بوصفه سيفاً مسلّطاً على رقاب المترددين، إذ إن حمية بحكم موقعه مستشاراً لرئيس الجمهورية وارتباطه العضوي بحزب الله، يُشكّل في نظر الأوساط المسيحية والمستقلة خياراً يمسّ الطابع الأكاديمي للمؤسسة ويُهدد استقلاليتها. وهكذا تتحوّل معادلة الاختيار من سؤال عن الأجدر أكاديمياً، إلى معادلة تخويف عنوانها: إما بدران أو حمية، وكأن الجامعة اللبنانية ملكية خاصة تتوارثها حسابات المحاور لا معايير الكفاءة.
غير أن هذه المناورة تنطوي على مفارقة صارخة، إذ يعرف الجميع أن إدارة بدران ذاتها لم تكن بمنأى عن التدخّل السياسي طوال سنوات ولايته، سواء في التعيينات أو في إدخال متعاقدين استجابةً لضغوط سياسية لا لحاجات أكاديمية فعلية. فكيف يُستقيم الاستنجاد بهاجس الاستقلالية الأكاديمية لصرف الأنظار عن مرشح، في حين أن الإدارة القائمة نفسها اختبرت هذا التدخل وتعايشت معه؟
أما على صعيد القانون الإداري، فإن توظيف تسريبات الأسماء لصناعة «خيار اضطراري» يُعدّ تحايلاً صريحاً على مبدأ التنافسية الحرة، ويُقيّد حق الترشح بمعادلات سياسية لا سند قانونياً لها. وقد استقر الفقه الإداري المقارن على أن أي تشريع يُكيَّف لخدمة شخص بعينه يفقد صفة العمومية ويغدو عرضةً للطعن أمام المجلس الدستوري. وما يزيد الأمر تعقيداً أن قانون الجامعة اللبنانية النافذ لم يُصَغ في فراغ، بل جاء تجسيداً لمبدأ التداول على السلطة المؤسسية وصون الجامعة من الاستنساب الشخصي، فالتحايل عليه بتعديل مفصّل على قياس فرد يُقوّض الإطار القانوني برمّته.
والأخطر في هذا المشهد أنه يُكرّس اختزال الكفاءات الشيعية في اسمين اثنين، وكأن هذه البيئة الأكاديمية الثرية التي أنجبت عشرات الأساتذة والباحثين والعلماء في مختلف الاختصاصات، عاجزة عن تقديم قامة أكاديمية مستقلة تليق بقيادة أعلى مؤسسة جامعية رسمية في لبنان. وهذا الاختزال في حدّ ذاته إهانة موصوفة لتلك البيئة ولتاريخها العلمي الحافل، ولكل أستاذ شيعي أمضى عمره في البحث والتدريس بعيداً عن الضوء السياسي.
والحل القانوني الوحيد السليم يبقى تطبيق النص القانوني النافذ بفتح باب الترشح في حزيران، وإتمام التعيين وفق الأصول قبل انتهاء الولاية الحالية بشهرين. عندها وحده يتجلّى ما تزخر به الجامعة اللبنانية من كفاءات أكاديمية رفيعة من مختلف الانتماءات، قادرة على النهوض بهذه المؤسسة الوطنية بعيداً عن أي فزاعة أو إملاء.