20 حزيران 2026 12:14ص هل يمكن للإنسان أن يرتكب الشرّ دون أن يكون شريراً؟

حجم الخط
لطالما شغلتني فكرة الشرّ: هل يمكن للمرء أن يرتكبه دون أن يكون شريراً؟ فهذا السؤال لا يطرح نفسه فقط كإشكالية أخلاقية بسيطة، بل كمعضلة فلسفية عميقة تضع الإنسان أمام مفارقة مقلقة: فكيف يمكن لكائن عاقل يمتلك القدرة على التمييز بين الخير والشر أن يشارك في الظلم أو العنف أو القتل؟ ولطالما ارتبط الشرّ في المخيال الإنساني بصور الطغاة والقتلة، غير أنّ أحداث القرن العشرين وما شهدته من حروب وإبادات جماعية كشفت وجهاً آخر أكثر إثارةً للقلق؛ وجهاً يجعل الشرّ فعلاً يمكن أن يرتكبه أشخاص عاديون تحت تأثير الطاعة أو الامتثال أو السعي إلى تحقيق مصالحهم الخاصة. من هذا المنطلق برزت أطروحة الفيلسوفة الألمانية حنّة آرندت في كتابها «أيخمان في القدس: تقرير عن تفاهة الشر»، حيث طرحت سؤالاً إشكالياً: هل يمكن للإنسان أن يرتكب الشرّ دون أن يكون شريراً؟ جاءت إجابة آرندت من خلال متابعتها لمحاكمة أدولف أيخمان سنة 1961، وهو أحد المسؤولين النازيين الذين أشرفوا على تنظيم ترحيل ملايين اليهود إلى معسكرات الاعتقال. وقد كانت تتوقع أن تواجه شخصية شيطانية تتجسد فيها أقصى درجات الكراهية والشر، لكنها وجدت موظفاً بيروقراطياً عادياً، لا يبدو «منحرفاً ولا سادياً»، بل أقرب إلى الإنسان المألوف منه إلى الصورة النمطية للشرير.
وقد أكد أيخمان مراراً أنه كان ينفذ الأوامر الصادرة إليه، ولم يكن منشغلاً بتبعاتها الأخلاقية بقدر ما كان يسعى إلى أداء وظيفته داخل المنظومة التي ينتمي إليها. ومن هنا صاغت آرندت مفهوم «تفاهة الشر»، حيث رأت أن أخطر أشكال الشر قد تصدر عن أفراد عاديين تخلّوا عن الحكم الأخلاقي المستقل واكتفوا بتنفيذ الأوامر. فالشرّ، في نظرها، لا ينشأ بالضرورة عن نوايا شيطانية، بل قد يكون نتيجة تعطيل الحكم الأخلاقي المستقل والعجز عن إدراك النتائج الأخلاقية للأفعال. وهو لا يستحوذ على الإنسان إلّا عندما يُعطَّل فيه هذا الحكم، فيتحوّل إلى أداة داخل منظومة أكبر منه، ويصبح قادراً على ارتكاب أفعال مروّعة وهو يعتقد أنه يؤدي واجبه فحسب. غير أن آرندت لا تقصد من هذا المفهوم تبرئة الفاعلين أو إعفائهم من المسؤولية، بل على العكس، إنها تُعمّق مفهوم المسؤولية الأخلاقية. فالمشكلة لا تكمن في «الشرير الواعي بشرّه»، بل في الإنسان الذي يتخلّى عن استقلال حكمه الأخلاقي، فيتحوّل إلى أداة تنفيذ داخل نظام لا يسائل نفسه. وعندما يُستبدل الضمير بالطاعة، والعقل بالأوامر، يصبح ارتكاب الفعل الشرير ممكناً دون شعور بالذنب.
وتتجلّى هذه الفكرة في العديد من السياقات التاريخية، حيث لا تعمل الأنظمة الاستبدادية بالقوة وحدها، بل عبر شبكة من الأفراد الذين ينفذون التعليمات دون مساءلة. وهكذا يتحوّل الموظف والجندي والكاتب الإداري إلى عناصر داخل منظومة ضخمة، لا لأنهم يملكون نية شريرة، بل لأنهم توقفوا عن طرح السؤال الأخلاقي الأساسي: هل ما أقوم به صحيح؟ إن أخطر ما يمثله نموذج أيخمان ليس شرّه الفردي فحسب، بل قدرته على جعل الآخرين يشاركون في هذا الشر أو يتغاضون عنه. فهو نموذج للشخص الذي يستمد قوته من صمت الجماعة وطاعتها، تماماً كما تستمدّ الأنظمة التسلّطية قوتها من الامتثال الجمعي. وحين يتخلّى الإنسان عن استقلاله الفكري، ويكتفي بتنفيذ ما تفرضه السلطة أو الجماعة، فإنه يصبح شريكاً في إنتاج الشرّ حتى وإن لم يكن هو من يخطط له.
وقد رأت آرندت أن تجربة القرن العشرين تؤكد أن الشرّ لا يحتاج دائماً إلى شخصيات استثنائية في الإجرام، بل يكفيه أفراد عاديون توقفوا عن ممارسة الحكم الأخلاقي. فالمجازر الكبرى لم تُنفَّذ فقط على أيدي قادة متعصبين، بل شارك فيها موظفون عاديون داخل منظومات بيروقراطية ضخمة، ما يجعل الشرّ يتحوّل من فعل استثنائي إلى ممارسة يومية عادية. إن الأنظمة الشمولية لا تقوم على العنف وحده، بل على تعطيل التفكير النقدي وتحويل الأفراد إلى منفذين مطيعين. وعندما يُجرَّد الإنسان من قدرته على التساؤل والحكم، يصبح أكثر قابلية للمشاركة في الظلم، بل وقد يقتنع بأنه يؤدي فعلاً مشروعاً أو ضرورياً. وهنا تكمن مأساة الشرّ الحديثة، إذ لا يظهر دائماً في صورة الشيطان أو الوحش، بل قد يتجسّد في صورة الموظف العادي أو المواطن المطيع.
في النهاية، يفتح هذا التحليل سؤالاً أوسع حول علاقة الفرد بالسلطة والجماعة: إلى أي حد يمكن للإنسان أن يحافظ على استقلال حكمه الأخلاقي داخل أنظمة تفرض الطاعة؟ وهل يكفي الامتثال للأوامر لإعفاء الإنسان من المسؤولية الأخلاقية؟ أخيراً، إن أخطر الشرور ليست تلك التي يرتكبها الطغاة وحدهم، بل تلك التي يرتكبها أفراد عاديون. فحين يصمت العقل ويغيب الضمير، يتحوّل الإنسان إلى أداة، ويصبح الشرّ أمراً مألوفاً، وتغدو تفاهةُ الشرّ أكثر رعباً. فالإنسان لا يصبح خطراً حين يمتلك القوة، بل حين يفقد القدرة على التمييز بين الطاعة والمسؤولية، وبين الواجب والضمير.