مع تسارع الأحداث السياسية والميدانية على الساحة الدولية، عقب تطورات المفاوضات الإيرانية - الأميركية والتي أفضت الى الإعلان عن «مذكرة تفاهم» ستوقّع رسميا في التاسع عشر من الشهر الجاري، وانعكاسها على المشهد اللبناني، ومن ثم الوصول المبدئي إلى إطار اتفاق وإعلان نوايا بين «واشنطن وطهران» حول مرحلة إنهاء الحرب، تبعاً للبنود التي اتفق عليها الجانبان.
الرئيس نبيه بري استشرف المرحلة على وقع المستجدات الإقليمية، ويعمل على تحصين الورقة اللبنانية بعيداً عن «مفاوضات واشنطن»، التي يضع الرئيس بري حولها أكثر من خط اعتراض، لا سيما تمسّكه بالمفاوضات غير المباشرة والعودة إلى إطار اتفاق الهدنة لإنهاء النزاع.
من هنا يأتي اجتماع رئيس مجلس النواب مع السفير الأميركي في لبنان «ميشال عيسى»، والذي استمر أكثر من ساعة ونصف، وضع خلاله بري النقاط على حروف «ملف التفاوض». وبيّنت المحادثات بين «بري وعيسى» مدى جدّية رئيس المجلس في إبقاء ثوابت لبنان السيادية بكل تفاصيلها أولوية، تبدأ من حق لبنان بالدفاع عن أرضه أمام أي احتلال، ما يعطيه شرعية عمل المقاومة. وهذا ما قد أسمعه بري للسفير عيسى عندما توجه له بالقول: «فلتتوقف إسرائيل عن عدوانها وتنسحب، والباقي أنا أتكفل به».
هذا المعطى، وفق مصادر مقرّبة، قد أزعج عدداً من اللبنانيين، وخاصة فريق التفاوض وداعميه مع إسرائيل، والذين يعتبرون أن ما يقوم به بري قد يعوّم المقاومة والثنائي على حساب فريق المهرولين إلى مفاوضات هجينة، كما وصفها بري.
لذلك ترى المصادر المقرّبة أن خطوة الرئيس بري نحو تثبيت الموقف وتحديد سقف المفاوضات تأتي من قناعة وطنية يلتف حولها، إلى جانب الرئيس بري، زعامات وطنية كوليد جنبلاط وسليمان فرنجية وحزب لله والقوى الوطنية الحيّة، كما وصفها المقرّبون. وهذا ما أعطى دفعاً لإطلاق مواقف ذات أهمية برؤية سيادية من جهة، وقراءة ما بين سطور الرؤية الأميركية من جهة ثانية، واستقراء للمشروع الإسرائيلي الذي يتخطى بعناوينه الحرب على حزب لله إلى تثبيت معادلة تنزع عن لبنان صفة الدفاع أو حتى استرجاع الأرض المحتلة.
من هنا أتى تصريح رئيس مجلس النواب لإحدى المنصات الإعلامية مصحوباً بثوابت لا يمكن النقاش حولها، ولا سيما أن الموقف يبدأ من وقف لإطلاق النار بشكل كامل، يقوم على وقف إطلاق نار براً وبحراً وجواً من دون قيد أو شرط، على أن يجري بعد ذلك الحديث عن انسحاب الجيش الإسرائيلي وحزب لله من جنوب نهر الليطاني بالتوازي، وليس بالشروط المطروحة في أوراق واشنطن التفاوضية.
إن ورقة بري التي تسلّمها السفير الأميركي تتضمن رفضاً قاطعاً لما يوصف بـ«المناطق التجريبية»، مشدّداً على أن ما يقبله هو فقط انسحاب إسرائيل ودخول الجيش اللبناني بالتوازي مع عودة النازحين.
وفي إشارة إلى عدم فصل ملف لبنان عن «مفاوضات باكستان»، كان واضحاً رئيس مجلس النواب بقوله: «لو أجاني وقف إطلاق النار من أي دولة أنا ماشي، حتى لو كان من بنغلادش». وهذا ما اعتبرته الأوساط المراقبة «إعلان رفض مسبق لما تقوم به الحكومة اللبنانية» من تجييش حول دور إيران في لبنان وتمسّكها بفصل الملف عن مفاوضات «إسلام آباد»، والذي يعتبره بري إضعافاً للموقف اللبناني واستفراده. وما يدل على صوابية مواقف الرئيس بري هو «رفضه تمرير لائحة مؤلفة من 2300 اسم من مقاتلي حزب لله المطلوب انسحابهم من جنوب نهر الليطاني، كان قد قدمها المفاوض الإسرائيلي وقبلت بها الدولة اللبنانية»، معتبراً أن «لا أحد يستطيع اقتلاعهم، أصحاب الأرض، من أرضهم».
على وقع كل هذه المشهدية، وما يمكن أن تحمل من تطورات ذات صلة بالداخل اللبناني، يأتي اللقاء المطول بين «حركة أمل وحزب لله»، والذي خُصص لبحث تفاصيل «المقترح الأميركي» بشأن وقف إطلاق النار. حيث أفادت المعلومات أن اللقاء خُصص لبحث تفاصيل «المقترح الأميركي» والشروط المنقولة عبر «واشنطن» بشأن وقف إطلاق النار، وأن «حزب لله» قد أبدى استعداداً للتعاون من أجل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار يبدأ من «خطوط ورقة الرئيس بري العريضة». وهذا يجعل من «موقف الثنائي» أكثر قوة وتماسكاً، ويؤدي بذلك إلى رصّ الصف الشيعي، ما يخدم المصلحة الوطنية اللبنانية.