20 حزيران 2026 12:38ص أميركا تفرغ الشمال من حلفاء الحزب فهل تكون الخطوة التالية جبيل والجبل؟

حجم الخط
ناجي علي أمهز

ثمة مشهد ملتبس يصعب على المرء توصيفه بدقّة وهو يراقب ما آلت إليه أحوال الطائفة الشيعية في لبنان؛ فهل تدفع هذه الطائفة اليوم ثمن صراعها مع نظام عالمي تجرّأت عليه وهزمته في محطات تاريخية كتحرير الجنوب عام 2000 وتبادل الأسرى عام 2006؟ أم أنها تدفع ضريبة أخطاء سياسية جسيمة نتجت عن عدم القدرة على الإحاطة بآليات السياسة الدولية المعقّدة؟
لا يمتلك الإجابة الشافية على هذه التساؤلات إلّا «الثنائي الشيعي» نفسه، ولكن حين ترى دولة بعظمة أميركا، ومعها ثلثي الكرة الأرضية وفي مقدمتهم إسرائيل، يسخّرون القوة المفرطة والحصار الهائل والعقوبات القاسية لإسقاط هذا الثنائي، وتحديداً حزب لله، ندرك حينها الحقيقة المرّة: إن الشيعة اليوم بحاجة إلى معجزة إلهية تحول دون انهيار كل شيء فوق رؤوس الجميع، كي لا تتحوّل الطائفة إلى مجرد ذكرى تاريخية تشبه «الدولة الفاطمية» التي لم يسمح العالم، ولا المحيط العربي، بتكرار تجربتها.
تتزامن هذه الحرب العسكرية والسياسية مع خطة أميركية ممنهجة نجحت اليوم في إفراغ الشمال اللبناني تماماً من حلفاء حزب لله الوازنين. البداية كانت مع الوزير جبران باسيل الذي طوقته العقوبات تحت ذريعة تحالفه مع الحزب، مما أدّى عملياً إلى استبعاده من السباق الرئاسي ومحاصرة دوره داخلياً، مما دفعه لإعلان فك تحالفه مع الحزب بطريقة قاسية، ويصبح الحفاظ على مقعده النيابي هو السبيل الوحيد لضمان استمرارية دائرته السياسية الصغرى.
أما الوزير فيصل كرامي، وانطلاقاً من إرثه السياسي العريق، فقد استبق العاصفة وخرج من معادلة التحالف المباشر بذكاء وتوازن؛ فهو لم يصطدم بعنف مع الحزب ولم يتصادم مع الأميركيين، مفضّلاً ربما الاعتزال أو الابتعاد عن العمل السياسي على أن تصيب «آل كرامي» عقوبات دولية تخرجهم من المعادلة العربية والدولية، معلناً بوضوح انتهاء التحالف مع الحفاظ على خطوط الاحترام، حمايةً لدور عائلته التاريخي.
إلّا أن الضربة الأقسى تجلّت في استهداف الوزير سليمان فرنجية، الزعيم الماروني الذي عُرف بشجاعته وصلابة مواقفه، والذي لم يتبدّل رغم اشتداد الضغوط العالمية، بل جسّد وفائه بمشاركته الشخصية في مراسم دفن الشهيد السيد نصرلله، في وقت غاب فيه الكثيرون ممن غنموا من دعم الحزب لسنوات.
إن فرض العقوبات على فرنجية اليوم، وربطها حصراً بتعاونه مع حزب لله بعيداً عن تهم الفساد، هو رسالة «إعدام سياسي» واضحة تهدف لإخراجه من المعادلة الدولية والسباق الرئاسي، في خطوة تذكّر بالاغتيال الجسدي الذي استهدف عائلة فرنجية في الماضي.
بهذا، يكون حزب لله قد خسر الشمال «سياسياً»، لتنتقل المعركة الآن إلى جبل لبنان، وتحديداً منطقتي جبيل وكسروان. هناك، ستبذل الإدارة الأميركية مع القوى المناهضة للحزب قصارى جهدها لاقتلاع نفوذه، بل وحتى الوجود السياسي الشيعي، لإنهاء حالة التجاذب في تلك المنطقة.
وهنا يجب التأكيد على أن ما يحمي الوجود الشيعي في جبيل وكسروان ليس «الثنائي» ولا النشاط السياسي الثقافي، بل هو تاريخ طويل من التعايش وإصرار الكنيسة على بقاء الشيعة كجزء من رمزية الدور المسيحي في الشرق الأوسط، إضافة إلى أدوار بعض الشخصيات المحلية المسيحية والشيعية.
وأمام ما حصل في الشمال فحتما ستعمل واشنطن والمناهضين للحزب بكل قوتهم لضمان عدم وصول أي نائب يمثل «الثنائي الشيعي» في جبيل، مهما كلّف ذلك من أثمان؛ لأن سقوط هذا التمثيل يعني حصر النفوذ السياسي للحزب في «غيتوهات» جغرافية ضيقة تشمل الضاحية الجنوبية، والجنوب المهدّم، والبقاع المحاصر.
فوصول نائب من الثنائي في عمق الطائفة المسيحية وقلب الكنيسة المارونية كان يمنح الشيعة توازناً وطنياً وحماية عالمية، بفعالية لا تقل عن صمود المقاومين على التخوم.
ختاماً، إن الإدارة الأميركية التي طوقت الدائرة الضيقة للرئيس نبيه بري بالعقوبات، والتي لولا الظروف الحسّاسة ودور الرئيس بري الذي لا بديل له حالياً لكانت شملته شخصياً، تعلن اليوم عبر استهداف سليمان فرنجية أنه لا خطوط حمراء بعد الآن. كل من يتقارب مع حزب لله، زعيماً كان أو مواطناً بسيطاً، هو هدف مشروع للعقوبات.
إنها المرحلة الأخطر؛ الوجه الآخر للحرب التي تشنّها واشنطن، وهي حرب سياسية واقتصادية أشدّ ضراوة من المواجهة العسكرية. فهل سينجح الحزب في مواجهتها، خاصة أنها تدور في ميادين سياسية كبرى خارج جغرافيته المباشرة وحاضنته الشعبية؟