20 حزيران 2026 12:50ص من الضعف إلى الفاعلية: كيف يقوّي لبنان موقفه التفاوضي مع إسرائيل؟

حجم الخط
البروفسور ميشال فريد الخوري

قبل أن يجلس لبنان إلى طاولة المفاوضات، يجب أن يطرح سؤالاً مهماً جداً: أي دولة ستفاوض؟ هل يذهب كأرض مثقلة بالجراح والدمار، أم كدولة ذات إرادة سياسية تعرف أهدافها وحدودها؟ فالحروب لا تدمّر الأبنية والجسور فقط، بل تكشف أيضاً ضعف القرار، وتفضح الدولة التي تدخل المواجهة من دون خطة واضحة للخروج منها. والدول تفاوض بما تمتلكه من وحدة داخلية، ومؤسسات قادرة، واقتصاد قابل للصمود، وجيش شرعي، وقرار سياسي موحّد. من هنا، لا يكفي أن يسأل لبنان ماذا يريد من إسرائيل، بل عليه أن يسأل كيف يستطيع، بعد الدمار والانقسام والنزف، أن يعيد بناء موقعه ليجعل مطالبه قابلة للتحقيق. فالتفاوض من موقع ضعيف لا يعني الاستسلام، بل يتطلّب فهم ميزان القوة، وتحويل الوحدة الوطنية، والجيش، والاقتصاد، والدبلوماسية إلى أوراق فعلية على طاولة لا ترحم الضعفاء.
خطة سياسية: من كتاب نيقولو مكيافيلي «الأمير»، يستطيع لبنان أن يستخلص درساً مباشراً: السياسة لا ترحم النوايا الحسنة، لكنها تكافئ القدرة على التحضير والحساب. فمكيافيلي لا يحصر السياسة بالخداع، بل يدعو إلى فهم الواقع، واستخدام الوقت، والمصلحة، والتحالفات، وعناصر القوة والردع بذكاء. لذلك، لا يجوز للبنان أن يذهب إلى أي تفاوض مع إسرائيل بخطاب أخلاقي أو عاطفي فقط، مهما كان محقاً. المطلوب خطة سياسية واضحة: ما الذي يريده لبنان تحديداً؟ ما الحد الأدنى الذي لا يمكن التنازل عنه؟ من يضمن التنفيذ؟ ما المقابل الذي سيطلبه لبنان؟ وما الخطة إذا فشل التفاوض؟
توحيد القرار: لا يبدأ التفاوض الجديّ مع إسرائيل من طاولة المفاوضات، بل من الداخل اللبناني أولاً. فالخصم لا يحتاج إلى إضعاف دولة منقسمة؛ يكفي أن يترك تناقضاتها تتكلم عنها. وعندما تدخل الدولة إلى التفاوض بقرارات متضاربة، وسلطات متنافسة، وأولويات داخلية متصارعة، فإنها تمنح خصمها ورقة قوة مجانية. وقد حذّر توماس هوبز، في كتاب «اللفياثان»، من أن غياب السلطة المركزية القادرة يفتح الباب أمام الخوف والفوضى وانهيار النظام. وبالمعنى اللبناني، لا يستطيع لبنان أن يخفف ضعفه التفاوضي إلّا إذا قدّم نفسه كدولة واحدة، بقرار واحد، ومرجعية واحدة، ومصلحة وطنية تتقدّم على كل الانقسامات.
الأهداف والضمانات: يقدّم إيمانويل كانط، في كتابه «السلام الدائم»، تصوراً يتجاوز فكرة وقف إطلاق النار المؤقت. فهو يرى أن السلام، بعد توقيع الاتفاق، يحتاج إلى مؤسسات، وضمانات، وقواعد تمنع العودة إلى الحرب. ومن هنا، لا يكفي أن يدخل لبنان في ترتيبات أمنية محدودة مع إسرائيل، ومن الأفضل أن تكون هذه الترتيبات جزءاً من بنية أوسع تحمي الاستقرار. المطلوب آلية مراقبة واضحة، والتزامات متبادلة، ودور عربي ودولي فعّال، وربط أي اتفاق بإعادة الإعمار، والتنمية، وعودة سكان الجنوب إلى قراهم. فالسلام عند كانط ليس هدنة هشّة، بل نظام سياسي ومؤسساتي. لذلك، على لبنان أن يحدد بدقّة ما يريده: وقف الاعتداءات؟ تثبيت الحدود؟ ضمانات دولية؟ تقوية الجيش؟ نزع ذرائع الحرب؟ إن أخطر ما يمكن أن يفعله لبنان هو أن يخرج من الحرب بلا هدف سياسي واضح وبلا ضمانات لما بعدها؛ عندها لن يكون قد انتقل إلى سلام، بل إلى انتظار جولة جديدة من الدمار والتفاوض الضعيف.
التركيز على الجيش اللبناني: لا يمكن لأي تسوية أمنية أن تكون جدّية إذا لم يكن الجيش اللبناني في صلبها. فالدولة لا تستعيد هيبتها في ظل وجود أكثر من قرار عسكري، ولا تستطيع أن تبني سلاماً بوجود قوى عسكرية موازية تتّخذ قرارات سيادية خارج مؤسساتها الشرعية. وقد أوضح كارل فون كلاوزفيتز، في كتابه «عن الحرب»، أن الحرب ليست فعلاً مستقلاً عن السياسة، بل امتداداً لها بوسائل أخرى؛ وهذا يعني أن السلاح يجب أن يكون تابعاً لقرار سياسي واحد. لذلك، لا يستطيع لبنان أن يخفف ضعفه التفاوضي إلا إذا صار الجيش هو العنوان الأمني الشرعي، والضامن الوحيد لأي اتفاق داخلي أو خارجي.
دعم عربي ودولي: إن بناء موقف عربي ودولي داعم هو ركيزة أساسية في أي تفاوض لبناني، لأن لبنان وحيداً أضعف بكثير من لبنان المسنود بشبكة مصالح وضمانات عربية ودولية. ولا يستطيع أن يدخل أي تفاوض جدّي في ظل ميزان قوة مختل؛ فقوة لبنان تأتي من قدرته على تحويل قضيته إلى مصلحة مشتركة مع محيطه العربي والدولي. وقد بيّن ريمون آرون، في كتابه «السلم والحرب بين الأمم»، أن السياسة الدولية لا تُدار بالقوة وحدها، بل أيضاً بالتحالفات، والشرعية، وتوازن المصالح. لذلك، يحتاج لبنان إلى موقف عربي ودولي واضح، يمنح مطالبه ثقلاً، ويجعل تجاوزها أو تجاهلها أكثر كلفة على الآخرين.
استخدام القانون الدولي: إن القانون الدولي، الذي هو الورقة الأقوى عند لبنان، ليس مجرّد أداة تستخدم في الخطابات والبيانات، بل يجب أن يكون ملفاً مهنياً يُبنى على الوقائع، والخرائط، والقرارات الدولية، وتوثيق الخروقات، وحماية المدنيين، والحدود المعترف بها دولياً. فالدولة الصغيرة تربح معركتها بالملف الأقوى والأدق والأكثر إقناعاً. وقد أسّس هوغو غروتيوس، في كتاب «قانون الحرب والسلام»، لفكرة أن الحرب نفسها لا تعفي الدول من القواعد، وأن العلاقات بين الأمم يجب أن تخضع لمعايير قانونية دولية، لا لمجرّد منطق القوة والغلبة. لذلك، يحتاج لبنان إلى تحويل القانون الدولي من شعار إلى أداة تفاوضية فعّالة، تُحرج إسرائيل، وتُقنع الولايات المتحدة، وتمنح المطلب اللبناني شرعية دولية يصعب تجاهلها.
ربط التفاوض بمشروع إنقاذ داخلي: لا يمكن فصل التفاوض عن وضع الدولة من الداخل؛ فلبنان الذي يفاوض وهو غارق في انهيار الاقتصادي، ومحتاج إلى مال، وإعادة اعمار، وإستقرار، يكون أكثر عرضة للضغط، وأكثر قابلية لقبول تسويات لا يختارها بكامل إرادته. وقد نبّه هانز مورغنثاو، في كتابه «السياسة بين الأمم»، إلى أن قوة الدولة لا تُختصر بالسلاح، بل تشمل الاقتصاد، وتماسك المجتمع، ومعنويات الناس، وصلابة المؤسسات. من هنا، لا يستطيع لبنان أن يخفف ضعفه التفاوضي إذا بقي اقتصاده مكسوراً وإدارته عاجزة. فالموقف الخارجي القوي يحتاج إلى إصلاح داخلي: مالية منتظمة، شفافية في إعادة الإعمار، ودولة تقنع العالم بأنها لا تطلب الدعم لتكرار الفشل، بل لبناء استقرار مستدام. لذلك، على لبنان أن يدخل المفاوضات بأوراق موقعه الجغرافي، وشرعيته الدولية، وعلاقاته العربية، وحاجة المنطقة إلى الاستقرار، وملف الحدود، وملف الإعمار، والقرار 1701 الذي يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لإطار تفاوضي سبق أن حظي بشرعية دولية.
في النهاية، إذا أراد لبنان أن يفاوض من موقع أقوى، فعليه أن يحقق على الأقل سبعة شروط. أولاً، الذهاب بخطة سياسية خلال التفاوض وما بعده. ثانياً، توحيد القرار الداخلي لأن الانقسام هو أول هدية مجانية للخصم. ثالثاً، تحديد الأهداف والضمانات المتعلقة بالإتفاق. رابعاًً، تحويل الجيش اللبناني إلى عنوان مركزي لأي ترتيبات أمنية. خامساً، بناء موقف عربي ودولي داعم لأن لبنان المدعوم سيكون أقوى. سادساً، استخدام القانون الدولي كملف موثق ومهني. سابعاً، ربط التفاوض بمشروع إنقاذ داخلي، لأن الدولة المنهارة تفاوض تحت ضغط الحاجة.
لذلك، لا يستطيع لبنان أن يدخل المفاوضات مع إسرائيل من موقع قوة، فهذا غير منطقي. لكنه يستطيع أن يدخلها من موقع أقل ضعفاً إذا تصرّف كدولة موحّدة، وتكلّم بلغة المصلحة الوطنية، واعتمد تخطيطاً واقعياً لا خطاباً انفعالياً. فالخيط الذي يجمع مورغنثاو وآرون ومكيافيلي وهوبز وغروتيوس وكلاوزفيتز وكانط هو أن السياسة الناجحة تُصنع ببناء قدرة الدولة وحسن إدارة المرحلة. فإسرائيل لا تُواجَه بالشعارات، والمجتمع الدولي لا يتحرك بالعواطف، والتاريخ لا ينصف من لا يعرف كيف يحوّل حقّه إلى قوة سياسية قابلة للتنفيذ. بعد الحرب، سيكون لبنان أمام طريقين: إما العودة إلى الدائرة نفسها، مواجهة ثم دمار ثم وساطات ثم انتظار انفجار جديد، وإما بناء دولة تكون وحدها صاحبة القرار. والتفاوض من موقع أقل ضعفاً لا يعني التنازل عن السيادة، بل استعادتها من الداخل أولاً عبر قرار واحد، وجيش واحد، ومصلحة وطنية واحدة. فالدولة التي تعرف ماذا تريد، وتفهم حدود قدرتها، وتعرف كيف تجمع العالم حول قضيتها، تتوقّف عن التصرف كدولة ضعيفة. لبنان لا يحتاج إلى وهم انتصار جديد، بل إلى عقل سياسي منطقي يمنع الهزيمة المقبلة، ويحوّل القتل والدمار إلى فرصة أخيرة لبناء دولة تحمي حدودها، وتفاوض باسم شعبها كلّه لا باسم انقساماته.