بيروت - لبنان

اخر الأخبار

16 أيار 2026 12:00ص حين انكسر «مدماك» الاعتدال وسقطت ضمانة لبنان النموذج والرسالة

حجم الخط
في السادس عشر من أيار عام 1989، لم يكن دوي الانفجار الذي استهدف موكب المفتي الشهيد حسن خالد مجرد جريمة اغتيال سياسي عابرة في سجل الحرب اللبنانية المثقل بالدماء؛ بل كان زلزالاً جيو-سياسياً استهدف تقويض الركائز التي قام عليها لبنان «الوطن والرسالة». إن استهداف سماحته في ذلك التوقيت الحرج كان إعلاناً دموياً عن بدء مرحلة «تصفية» القامات الوطنية التي شكّلت صمام أمان ضد التفتيت والتبعية، ومقدمة لاغتيال لبنان الكيان والوجود.

• رمزية المقام واستهداف «الوسط الذهبي»

جسّد المفتي الشهيد حسن خالد طوال مسيرته «الوسطية الوطنية»؛ تلك التي لا تعني الحياد بين الحق والباطل، بل تعني التمسّك بالثوابت الوطنية ورفض الانزلاق نحو التطرف. كان المفتي «مؤسسة» في رجل، استطاع بصلابته الهادئة أن يجعل من دار الفتوى مظلة وطنية جامعة، ومفتياً للوحدة والشراكة الوطنية، وللعيش الواحد والسلم الأهلي.
بإغتياله، أراد القتلة تغييب «مفتي الشراكة» الذي آمن بأن قوة لبنان في تنوّعه لا في تصادمه. كان الشهيد يدرك أن لبنان يسقط حين تسقط قدرة أبنائه على الحوار، لذا كان جسر عبور دائماً بين الضفتين، يجمع بين بكركي ودار الفتوى، صائحاً في وجه أمراء الحرب: «إن لبنان أكبر من أن يُبتلع، وأصغر من أن يُقسّم». هذا النهج الوحدوي كان يشكّل الخطر الأكبر على مشاريع «الدويلات» التي كانت تُطبخ في غرف الاستخبارات السوداء، ولعلّ مشهد بكركي وهي تفتح أبوابها لتقبّل التعازي باستشهاده كان الدليل الأقوى على أنه كان بحق «مفتي كل الجمهورية».

• استهداف «لبنان المؤسسات» لحساب «لبنان الميليشيات»

لم يكن المفتي الشهيد مجرد مرجع ديني، بل كان رجل دولة بامتياز، متمسّكاً بالدستور والميثاق وبصيغة العيش المشترك، رافضاً لكل أشكال الهيمنة والتبعية. كان يرى في الدولة القوية العادلة الملاذ الوحيد لجميع اللبنانيين؛ لذلك، كان اغتياله محاولة صريحة لضرب فكرة «دولة المؤسسات» لصالح «منطق الغاب».
لقد أسّس اغتياله لمرحلة تصفية «لبنان الذي آمن به»، لبنان التعددية والفرادة الحضارية. فمنظومة الإجرام التي لا تجيد إلّا الإبادة الجماعية والفردية وتعميم الفوضى، أرادت تغييب الدور التاريخي والوحدوي لموقع الإفتاء، وجرّ الطائفة السنية، التي شكلت دوماً مدماكاً للاعتدال إلى أتون الصراعات الطائفية والمذهبية العبثية، لتحويلها من رافعة للعمل الوطني إلى طرف في نزاع يخدم القوى التي تسعى لتغيير وجه المنطقة.

• الأبعاد الجيوسياسية وضرب العمق العربي

في البُعد القومي، كان المفتي الشهيد يؤمن بعروبة لبنان الحضارية، التي تشكّل سنداً لقضايا الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين، دون أن يكون ذلك على حساب السيادة. استهدف الاغتيال ترسيخ انتمائه لهويته العربية ببُعدها القومي، ومحاولة سلخ لبنان عن محيطه الطبيعي لجعله فريسة سهلة للمشاريع الغريبة.
هنا تتلاقى مصالح منظومة القتل الدموي مع مصالح العدو الإسرائيلي؛ فكلاهما يسعى لتأجيج الحروب الطائفية والعرقية لتفتيت الدول المركزية إلى كيانات مجهرية متناحرة. هذا المشروع «الجيو-عنصري» يهدف لفرض «نظام الأقليات» في المنطقة، مما يمنح التبرير الوجودي للكيان الصهيوني لشرعنة دولته الدينية العنصرية. إن غياب حسن خالد كان ضرورة لتمرير نظام إقليمي جديد يقضي على أي مشروع عربي عصري - نهضوي قادر على حماية وحدة الشعوب.

• تداعيات الجريمة ومؤامرة العصر

ما يزال لبنان، والمنطقة العربية بأسرها، يعيش التداعيات الكارثية لذلك الانفجار. فمنذ ذلك اليوم، بدأت تتوالى فصول «مؤامرة العصر». إن الصراعات التدميرية التي نراها ليست إلّا الثمار المرة لتلك البذور التي زرعها القتلة يوم اغتالوا المفتي الشهيد؛ بهدف إنهاء مفهوم «الدولة المركزية» لصالح دويلات متنافرة تبرر وجود الكيان الغاصب.
لقد أرادوا بإغتياله أن يغتالوا «الأمل» بإمكانية قيام دولة مستقلة، وأن يثبتوا أن لغة الرصاص أقوى من لغة العقل. ولكن، ورغم مرور العقود، يبقى نهج المفتي حسن خالد هو الخريطة الوحيدة القادرة على إنقاذ ما تبقى من الوطن، وصيانة هويته من الضياع في دهاليز المصالح الدولية.

• الوفاء للشهيد هو استعادة للنهج

إن الوفاء لذكرى المفتي الشهيد حسن خالد لا يكون فقط بالبكاء على أطلال الماضي، بل بالتمسك بالقيم التي استشهد من أجلها: لبنان السيادة، لبنان العيش المشترك، ولبنان العروبة الحضارية. إن استعادة لبنان لكرامته وقوة مؤسساته هو الرد الحقيقي الوحيد على الجناة.
لقد كان المفتي خالد «شهيداً بوزن وطن»، وصوته لا يزال يتردد في ضمير كل لبناني شريف يؤمن بأن لبنان «الوطن النهائي» يستحق التضحية. رحم الله المفتي الشهيد، حيّاً في ذاكرة الكيان، ومنارة لا تنطفئ في ليل لبنان الطويل.