فؤاد بوجي
«To jaw-jaw is always better than to war-war»
«التحاور وجهاً لوجه خيرٌ من الحرب». بهذه العبارة لخّص ونستون تشرشل إحدى أهم قواعد السياسة الدولية. لكن قيمة الدبلوماسية لا تُقاس بعدد الاتفاقات التي تُوقَّع، بل بهوية من يوقّعها، وبقدرتها على حماية مصالح الدول وتعزيز سيادتها. وعندما تنجح الدولة، عبر التفاوض، في تحقيق ما عجزت عنه سنوات طويلة من الصراع، لا يعود السؤال: من انتصر؟ بل: هل استعادت الدولة دورها الطبيعي؟
من هذا المنطلق، لا ينبغي النظر إلى الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن برعاية الولايات المتحدة على أنه مجرد محطة دبلوماسية أو إجراء تقني لمعالجة ملف حدودي، بل بوصفه مؤشراً إلى تحوّل في موقع الدولة اللبنانية داخل معادلة اتخاذ القرار. فالقيمة الحقيقية لهذا الاتفاق لا تكمن في مكان التوقيع أو في صورته البروتوكولية، بل في الرسالة السياسية التي يحملها: للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، تفاوض الدولة اللبنانية عن نفسها، وباسم لبنان، ومن أجل مصالحه الوطنية.
ولعلّ هذا هو التحوّل الأهم في الاتفاق كله. فلبنان لم يظهر هذه المرة بوصفه ورقة ضمن تفاوض إقليمي، ولا ساحة تنتظر ما يقرره الآخرون عنها، بل دولة تفاوض باسم مؤسساتها الشرعية. وقد سارع البعض إلى إدراج الاتفاق ضمن تفاهمات إقليمية أوسع، إلّا أن تسلسل الأحداث يطرح سؤالاً مشروعاً: إذا كانت المفاوضات الخاصة بهذا المسار قد بدأت قبل التفاهمات الإقليمية الأخيرة، فهل يصح اختزالها بأنها مجرد نتيجة لها؟ أم أن لبنان استطاع أخيراً أن يفتح مساراً تفاوضياً يعكس أولوياته الوطنية، حتى وإن تزامن مع تحولات إقليمية أكبر؟
هذا السؤال لا يقل أهمية عن الاتفاق نفسه، لأنه يعيد النقاش إلى جوهر القضية: من يمثل لبنان عندما يتعلق الأمر بحقوقه وسيادته؟
لقد ارتبط جزء كبير من الحياة السياسية اللبنانية خلال العقود الماضية بمعادلة مفادها أن السلاح خارج الدولة هو الضمانة الوحيدة لتحرير الأرض وحماية لبنان. وربما كانت تلك المعادلة مرتبطة بظروف تاريخية معينة، إلا أن السياسة لا تعرف الثوابت الدائمة، بل تتغيّر بتغيّر الوقائع. فنجاح الدولة في استعادة دورها التفاوضي لا يحسم هذا النقاش، لكنه يغيّر معطياته، لأن ما كان يُعد مستحيلاً عبر المؤسسات أصبح اليوم موضع اختبار عملي.
فإذا أثبتت الدولة اللبنانية قدرتها على إدارة التفاوض، وتحقيق تقدم في استعادة الحقوق الوطنية عبر المؤسسات والشرعية الدولية، فإن من الطبيعي أن يُعاد طرح السؤال حول مستقبل كل الاستثناءات التي نشأت خارج إطار الدولة. وهذا ليس نقاشاً موجهاً ضد أحد، بل هو نقاش حول شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون بعد كل ما عاشوه من حروب وأزمات وانهيارات.
فالسيادة ليست مجرد انسحاب قوة أجنبية من جزء من الأراضي اللبنانية، بل هي أيضاً وحدة القرار الوطني، ووحدة المرجعية العسكرية، ووحدة المسؤولية أمام الشعب. فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد القوى المسلحة فيها، بل بقدرتها على احتكار استخدام القوة وفقاً للدستور والقانون، وعلى اتخاذ قرارات الحرب والسلم من خلال مؤسساتها الدستورية وحدها.
غير أن الاتفاق، مهما بلغت أهميته، ليس سوى بداية الطريق، فالامتحان الحقيقي يبدأ بعد التوقيع.
فنجاح هذا الاتفاق لن يتوقف على أداء الدولة اللبنانية وحدها، بل على التزام جميع الأطراف بما تعهدت به. فالدولة اللبنانية مطالبة باستكمال بسط سلطتها وتعزيز حضور مؤسساتها على كامل أراضيها، وإسرائيل مطالبة بتنفيذ التزاماتها كاملة واحترام ما يتم الاتفاق عليه، فيما تقع على عاتق الولايات المتحدة، بصفتها الراعي لهذا المسار، مسؤولية مواصلة الانخراط السياسي والدبلوماسي، وممارسة ما يلزم من نفوذ سياسي ودبلوماسي لضمان تنفيذ الاتفاق وعدم السماح بتحوّله إلى مجرد وثيقة جديدة تُضاف إلى سلسلة الاتفاقات غير المكتملة. فنجاح أي اتفاق لا يُقاس بلحظة توقيعه، بل بقدرته على الصمود في مرحلة التنفيذ.
فالاختبار الحقيقي لن يكون في ما إذا كان الاتفاق قد وُقّع، بل في ما إذا كان سيؤسس لمرحلة جديدة من الالتزام المتبادل، تُستكمل فيها معالجة الملفات العالقة بعيداً عن منطق التصعيد، وبما يسمح بترسيخ الاستقرار على الحدود الجنوبية، ويفتح الباب أمام معالجة ملفات أخرى يحتاجها لبنان والمنطقة.
ولعلّ أهم ما يميّز هذه المرحلة أنها تفتح نافذة سياسية قد لا تتكرر بسهولة، ما يفرض على الدولة اللبنانية استثمارها لتعزيز سيادتها واستكمال بسط سلطتها عبر المؤسسات، بعيداً عن إضاعة الفرص التي عرفها لبنان في مراحل سابقة.
فالسيادة ليست مفهوماً دستورياً فحسب، بل شرطاً من شروط التنمية والاستقرار الاقتصادي. فالاستثمار لا يبحث فقط عن الحوافز، بل عن دولة واضحة المرجعية. والسياحة لا تزدهر بمجرد توقف المواجهات، بل تحتاج إلى بيئة مستقرة يمكن التنبؤ بها. كما أن أي مشروع للنهوض الاقتصادي يبقى ناقصاً إذا ظل القرار السيادي موزعاً بين أكثر من مرجعية.
وربما يكون الإنجاز الأهم في هذه المرحلة ليس الاتفاق بحد ذاته، بل الرسالة التي يحملها. فعندما يجلس لبنان إلى طاولة التفاوض ممثلاً بدولته ومؤسساته، فإنه يستعيد شيئاً من دوره الطبيعي كدولة ذات سيادة، لا كساحة تُدار من خلال حسابات الآخرين. وإذا ترسخ هذا المسار، فإنه قد يشكّل بداية مرحلة جديدة يعاد فيها الاعتبار للدولة بوصفها المرجعية الوحيدة لجميع اللبنانيين.
وفي هذا السياق، لا بد من تسجيل التقدير لكل من ساهم في الوصول إلى هذه اللحظة. فمن حق اللبنانيين أن يثمّنوا الدور الذي قام به فخامة رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون في تثبيت موقع الدولة، والجهود التي بذلها دولة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام في مواكبة هذا المسار، كما يستحق الوفد اللبناني المفاوض، وفي مقدمته السفيرة ندى حمادة والسفير سيمون كرم وسائر أعضاء الوفد، التقدير على ما أظهروه من تمسك بالموقف اللبناني ودفاع عن المصالح الوطنية. وقد عكس الأداء التفاوضي للوفد اللبناني تمسكاً واضحاً بالموقف الوطني، بما يؤكد أن الدبلوماسية، عندما تستند إلى مؤسسات الدولة ووحدة القرار، تتحول إلى إحدى أهم أدوات الدفاع عن المصالح الوطنية.
لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة خلال العقود الماضية، سواء بسبب الاحتلالات أو الحروب أو الانقسامات أو الانهيار الاقتصادي. ولذلك، فإن أي فرصة تسمح بإعادة تثبيت الدولة ينبغي التعامل معها باعتبارها فرصة وطنية تتجاوز الحسابات الفئوية الضيقة.
قد لا يكون هذا الاتفاق نهاية الصراع، لكنه قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية اللبنانية. مرحلة يكون فيها لبنان، للمرة الأولى منذ زمن طويل، دولة تفاوض عن نفسها، وتقرر عن نفسها، وتستعيد حقوقها باسم مؤسساتها وحدها.
لكن يبقى الامتحان الحقيقي في ما سيأتي بعد التوقيع. فإذا نجحت الدولة في تحويل هذا الاتفاق إلى سيادة فعلية على الأرض، والتزمت إسرائيل بتنفيذ موجباتها كاملة، وواصلت الولايات المتحدة رعاية هذا المسار حتى نهايته، فإن الإنجاز لن يكون استعادة أرض فحسب، بل استعادة فكرة الدولة نفسها.
فالتحوّل الحقيقي ليس أن لبنان وقّع اتفاقاً، بل أن الدولة اللبنانية هي التي فاوضت ووقّعت باسم لبنان. وإذا استمر هذا المسار، فقد يكون الإنجاز الأهم ليس استعادة جزء من الأرض فحسب، بل استعادة احتكار الدولة لقرارها الوطني، باعتباره المدخل الطبيعي لأي سيادة مستقرة وأي نهوض اقتصادي مستدام.