الحسين شخصيّة إنسانية
المفتي الشيخ بكر الرفاعي*
إن الله تعالى اصطفى محمداً واصطفى به ومعه آلَ بيته وأصحابَه، ولو أردنا أن نتمثّل الجسد الإسلامي لوجدنا أنه يتشكّل من مادة وروح، أما مادته فهم الصحابة الكرام، وأما روحه فهم الآل الأطهار، ولطالما كانت المادة في خدمة الرّوح وفي محبّتها، وفي احترامها.
ولا يمكن للجسد أن ينهض وأن يقوم بدوره إلّا باتصال الروح بالجسد واتصال الجسد بالرّوح، من هنا: كان محبة آل البيت إيماناً، ومن أحبّ آل البيت أحبّ محمداً، ومن أحبّ محمداً أحبّ الله، ومن أحبّ الله أحبه الله، وحبّب إليه عباده.
النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بمحبّة آل بيته، وقال: «استوصوا بآل بيتي خيرا، فإنّي أخاصكم عنهم غداً، ومن كنت خصمه خاصمه الله».
القاضي عياض في كتابه «الشفا في تعريف حقوق المصطفى» قال: «معرفة آل البيت براءة من النّار، ومحبّة آل البيت جوازٌ على الصّراط».
من هنا: لا يستنكف أحدٌ من المسلمين أن يرفع من شأن آل البيت ومن شأن سيدنا الحسين، فطالما كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يتسابقون في حبّ آل البيت، ومنهم: سيدنا عمر بن الخطاب، كان أشدّهم سباقاً في هذا المضمار. كسى مرّة أصحاب النبي صلى االله عليه وسلم ولم يجد ما يصلح للحسن وللحسين، فبعث إلى اليمن، وأتى بكسوة وبعث بها إلى الحسين والحسين وقال: الآن طابت نفسي.
وقد حقّق الصحبة وهي السبب، وبقي النسب: فتقدّم وتزوّج أمّ كلثوم بنت سيدنا علي.
لذلك مَن يتخيّل عداوة بين الصحب والآل، ليتأكّد أنها عداوة اخترعها ابن سبأ اليهودي، وصدّقها بعض الحمى فجعلوها ديناً.
الإمامان الحسن والحسين يجب دوماً الربط بينهما، لأن العلاقة بينهما ليست علاقة تناقضيّة، إنما هي علاقة تكامليّة؛ بمعنى لو أن سيدنا الحسين كان أيام سيدنا الحسن لاختار الموقف نفسه، ولو كان سيدنا الحسن أيام سيدنا الحسين لاختار الموقف نفسه.
العلاقة تكاملية، بين سبطي رسول الله صلى االله عليه وسلم، تقدّم نموذَجين نعود إليهما بحسب الظروف الموضوعية التي نعيشها، فنستحضر تارة تجربة الإمام الحسين ونستحضر تارة أخرى تجربة الإمام الحسين، ليتكامل الدور بين الحسن وبين الحسين.
يا ترى لما تربّع الحسن والحسين على عرش الدنيا والآخرة هل كان ذلك نسباً أم عملاً؟!
النبي صلى االله عليه وسلم لما تحدث عن الإمام الحسين قال: «إنّ ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، ولما تحدّث عن الحسين قال: «سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى حاكم ظالم، نهاه فقتله». النسب موجودٌ ومع النسب كان العمل فاتصل النور بالنور فتربّع الحسن والحسين على عرش الدنيا وعرش الآخرة.
لمّا يتربّع الإمامان على هذه المكانة العظيمة المهمّة، لم يعد من الضروري أن نتحدّث عن خلاف على سلطة، ولا عن مشكلة شخصية بين إنسان وآخر. المسألة تتجاوز كلّ ذلك، دور الإمام الحسن والحسين استمرار طبيعي لخط النبوة، لما قال النبي صلى االله عليه وسلم: «حسين مني وأنا من حسين»، ثم قال: «اللهم إني محبّه فأحبّه».
القضية قضية امتزاج واتحاد: لمّا ارتقى سيدنا الحسين ظهر سيدنا النبي صلى االله عليه وسلم، وهو يصلي: هل كان الرحلة أرضيّة أم سماويّة؟ كلّنا يعرف أن نبيّنا صلى االله عليه وسلم عندما يصلي صلاته معراج إلى السماء. عندما ينتهي من الصلاة يلتفت إلى أهل بيته ويقول: السلام عليكم. كأنّه عاد من سفر طويل، لما ارتقى الحسين ظهر سيدنا النبي صلى االله عليه وسلم في الصلاة كانت رحلة سماوية، اطّلع فيها على تلك الأسرار العالية، والقيم المرتفعة، وعاد بها إلى الأرض، فكان فيما بعد مع النبي شكل الرجل النبي القادم من السماء، ومع الحسين شكل الرجل المؤمن الذي يريد الذهاب إلى السماء.
وعندما قال النبي صلى االله عليه وسلم: «اللهم إني أحبه فأحبه» ها هنا وقف النبي صلى االله عليه وسلم في برزخ زمني، كأنه أمام حاضر وأمام مستقبل، اللهم إني أحبه: يريد أن ينبّه الحاضر، فأحبّه: يريد أن يحذّر المستقبل.
لذلك عندما انطلق الحسين كانت المسألة أن هناك انحرافاً في خطّ النبوة وقع، مَن يتصدّى لذلك؟ من ميزان الكلمات؟ ما هي النقاط التي توضع على الحروف؟ لتتبيّن معاني الكلمة ولتنتظم الكلمة مع الكلمة، وتشكلَ الجملة.
إنه بالضرورة سيدنا الحسين. لذلك عندما انطلق، انطلق ليحقّق الإصلاح في رسالة النبي صلى االله عليه وسلم، وليقول لنا: إنّ السكّة الإسلامية الصحيحة التي وضعها النبي صلى االله عليه وسلم وانطلقت عليها تلك القاطرة أيام النبي صلى االله عليه وسلم وأيام الخلفاء الراشدين لما وصلت إلى زمن يزيد وقع الانحراف، ما عادت السكة باتجاهها الصحيح وما عادت القاطرة على السكة.
من يتصدّى لها؟ هذا التصدّي في ذلك الزمن كان حاجة وضرورة، لو لم يتصدّ الحسين إلى أين وصلت الانحرافات؟ ولما تصدّى الحسين كيف استطاع الحسين أن يحدّد الانحراف، وأن يقول للقريب وللبعيد وللزمان القادم ثمة انحراف وقع وقفت بوجهه، قدّمت كل ما أستطيع، وهذا واجبي الطبيعي أن أسعى للإصلاح في أمّة جدّي.
ثورة الحسين نظلمها عندما نعتبر أنها قطعة تاريخية، هي ثورة تتجدّد بتجدّد الظروف الموضوعية التي أنتجتها. ولمّا نتحدث عن الحسين لا بدّ أن نؤكد: أنّ هناك مظاهر رأى بدايتها وتوقّع النهايات التي ستحدث فيما بعد، فانطلق في تلك الثورة.
أولاً: هل أيام يزيد كان قانون الله نافذاً على الجميع وبخاصة على النخب الحاكمة؟ والدولة هل كانت دولة للرعية أم كانت دولة للنخب؟
لمّا شاهد هذا المشهد كان ضرورياً أن يتحرّك، ثم عبادُ الله الذين يعملون لنشر الخير ومنع الشر والفساد، هل كانوا يساعَدون، أم كانت العراقيل توضع في طريقهم؟
قليل من الخير، في مواجهة كثير من المساوئ والشرّ.
هل يُعقل أن تفرض الجزية فيما بعد على من دخل في الإسلام من غير المسلمين؟
حتى تصدّى البعض للمسألة وقال: إن الله بعث محمداً هادياً ولم يبعثه جابياً.
بدل العمل على إحياء ضمائر الناس بدأت عمليات شراء الضّمائر، وبالتالي انقطعت الصّلة تماماً ما بين السياسة والأخلاق.
هل هي مرحلة تاريخية؟ هي ظروف تعيشها المجتمعات وتتطلب في كل مرحلة حسيناً يواجه هذه الظروف اللاموضوعية التي تنتج سلطة غاشمة تريد أن تنحرف بطريق النبوة عن سكته الصحيحة.
أين البيعة الصحيحة؟ وأين الشورى الكاملة؟ وهل نتوقع أنه مع الوقت يفتي الإمام مالك رحمه الله عابد أهل المدينة بعدم جواز البيعة الجبريّة فيسجن، ويجلد، وتخلع كتفه، وهو إمام من أكبر الأئمة، أبداً، مقابل كل صوت يؤيّد تلك السلطة الجائرة كانت هناك آلاف الأصوات التي تلعنها.
الأمة كفاعل وأساس، نقول أمّة لا أمة، والأمَة: العبدة، وقرارها بيد سيدها، وليس بيدها، أما الأمة فقرارها بيدها، في تلك الأيام الأمّة كانت في موقع المشاهد والمتفرّج لا تستيطع أن تؤثّر وليس لها قول، وإن قالت فالنتيجة الطبيعية إلى السجن.
بيت المال كأنه تحوّل إلى لبن لأمّهم يرضعون منه ويأخذون بغير حساب. أين نحن من سيدنا علي لما تولى الخلافة، جمع كل المال ووزّعه وصلّى في بيت المال ركعتين للّه تعالى.
الأمور انقلبت وتغيّرت وتبدّلت، وصار الويل للذي يحكم بالعدل والإنصاف، من حكم بالعدل والإنصاف حبس وجلد. الإمام أبو حنيفة رحمه الله يُعرض عليه القضاء يرفضه لأنه لا يستطيع أن يحكم بشكل صحيح، يُحبس ويضرب، ويعذب، ويبقى مصرّاً على ذلك.
سيدنا النبي صلى االله عليه وسلم وضع قاعدة: «لا فضل لعربي على أعجمي، إلّا بالتقوى»، والعصبيات التي كانت قائمة في المجتمع الجاهلي جاء الإسلام وسخّرها لتكون في خدمة الدين، بدل أن يكون الدين في خدمة العصبية.
في إحدى المعارك كأنّ الغلبة كانت للجيش المقابل للمسلمين، فماذا يفعل قائد الجيش؟ استغلّ واستثمر العصبية الموجودة، وقال: «تمايزوا، حتى نعلم مِن قِبل أي حيّ نؤتى». فصار كل حي حريصاً ألا يؤتى العدو من قِبَله، فانتصر الجيش المسلم.
سُخّرت العصبية لتكون في خدمة الدين، فإذا بنا نتفاجأ بأن الدين يكون في خدمة العصبية، بعد أن طمست رؤوس العصبية عادت ليرتفع رأسها فوق الرؤوس، لذا كان طبيعياً أن ينهض الحسين بثورته، وأن تكون الدعوة اليوم عنوانها: حسيني، حضورها: وطني، وأفقها: إنساني.
هذا هو الحسين في حقيقته وفي دوره، وفي رؤيته.
ما النتيجة التي تحققت من وراء ثورة الحسين؟
النتيجة عبّر عنها معاوية الثاني: «ثم جاء بعد ذلك أبي يزيد فركِبَ هواه، وأخلَفَهُ الأمل، وإنّ من أصعب الأمور علينا علمنا بسوء منقلبه، فقد قتل عترة رسول الله صلى االله عليه وسلم، وخرّب الكعبة، واستباح الحرَم، وما أنا بمتقلّد أموركم، فاختاروا لأنفسكم».
ذهب يزيد تكرهه القلوب، وتلعنه الألسنة، وبقي الحسين تحبه القلوب وتلهج به الألسنة.
إذا أردنا أن نختصر كربلاء بعبارة مكثفة تختصر المشهد كلّه: الإمام الحسين أعطى رأسه ولم يعطِ يده.
* مفتي بعلبك والبقاع الشمالي






