من الثابت علمياً أن الحمض النووي يتفق فيما بين الجنس البشري في تسع وتسعين وتسعة أعشار ويختلف بما نسبته صفر وعشر واحد بالمائة. هذه النسبة تحتوي على ثلاثة ملايين مفارقة موزعة على ثلاثة مليار وحدة يتألف منها حامضنا النووي. هذه النسبة الضئيلة تجعل من الأعراق البشرية مختلفة بصفات تصقلها عوامل مختلفة مثل البيئة والتربية فتضفي عليها تمايزاً جديداً متحرّكا، فما تمتاز به بعض الشعوب من الهدوء والسكينة وعمق التفكير والتدبّر لا تجده عند شعوب أخرى في سرعة الغضب وردّات الفعل العشوائية والآنية.
من خلال هذا الثابت العلمي تطرح من وقت لآخر موضوع الانفعالات عند المتدينين المتشددين وعن أسبابها ودوافعها، ويتوقف الباحثون على الخطاب الديني المتشدد عند بعض المسلمين. وهنا يبرز سؤال فيما لو كان الدين الإسلامي يأمر بالعنف لمواجهة الخطابات الإصلاحية أو النقدية أو المخالفة لما هو معلوم من الدين بالضرورة. وخاصة أن التاريخ الإسلامي يذخر بالإنفعالات التي كانت تأخذ منحى مأساوياً عند بعض أرباب الفكر الجامد والمتقوقع، يؤدي الى إزهاق أرواح المخالفين بعد تكفيرهم وزندقتهم واتهامهم بالمجون والفسوق. اللائحة تطول بأسماء ضحايا الفكر والرأي المنفتح أو المتهمين بالخيانة في إدارة شؤون السياسة والحكم، من الخلفاء الراشدين، مروراً بمؤسسي المذاهب الفقهية وكبار علماء الدين والمتصوفة والفلاسفة والأدباء، الى غيرهم من الفئات التي تم تعذيبها وسجنها أو اغتيالها وقتلها وسحلها خلال الفترات المتفاوتة للحكم الإسلامي.
هذه الممارسات ليست على كل حال وليدة المجتمعات الإسلامية حصراً، فما عرفته أوروبا خلال حكم الأباطرة والقياصرة والملوك والنبلاء ومحاكم التفتيش وحروب المائة عام بين الكاثوليك والبروتستانت وصولا إلى سياسة خنق الحريات العامة ومحاربة الأفكار المخالفة التي انتهجتها الثورة الفرنسية في بدايتها أو التي مارستها الأنظمة البولشفية خلال حكمها لا يمكن وضعه إلا تحت خانة الإنحطاط السلوكي والإجرامي في أبشع صوره. هذا إذا أضفنا إليها الممارسات العنفية التي لا تندرج تحت انتهاكات الحريات العامة وحرية الرأي والتعبير بشكل خاص وإنما تحت عنوان العنف الجماعي الذي يطال الشريحة العظمى من الناس مثل الإحتلالات الاستعمارية والمجازر التي ارتكبت بحق شعوب البلاد الأصليين والحربين العالميتين والمجازر الصهيونية في فلسطين وحروب البلقان والروهينجا، فإن كل ذلك لا يدع مجالا للشك بأن العنف ليس إلا مسؤولية الإنسان وحده وميله الى خنق الحريات العامة تحت مسميات ومبررات كثيرة أو من أجل التوسع فيما وراء الحدود والسيطرة على ثروات البلاد والعباد. وفي كلتا الحالتين لا يعتبر الدين حين تستخدم نصوصه للتبرير محفّزا وداعياّ الى العنف، وإنما يتحمّل مسؤوليته الإنسان الذي يتلطّى وراء النصوص الدينية سواء بدوافع إيمانية صادقة أو بدوافع إقصائية ماحقة.
لحصر المشكلة في مجال العنف في الخطاب الديني الإسلامي وردّات الفعل المتلاحقة إزاء كل رأي منفتح أو منتقد أو مضطرب أو مخالف، لا بد من الإعتراف بأن الإسلام القرآني ليس نتاج البيئة العربية بل هو مبني على وحي ربّاني. فالمجتمع العربي، سواء الحضري أو البدوي، يحسن سل السيوف والرماح على مقارعة الرأي بالرأي والحجة بالحجة. يكفي أن نلقي نظرة الى الآيات القرآنية التي كانت تدعو المشركين الى التحاور وإعمال العقل والتدبّر والتفكّر في حين أن ردّات فعل المشركين كانت القتل والإضطهاد وشنّ الحروب والحصار من أجل التجويع وإزهاق الأرواح. حتى مع أتباع الديانتين الإبراهيميتين دعاهما النبي صلى الله عليه وسلم الى المباهلة ولم يدعهم الى الإقتتال. الحوادث التاريخية مليئة بقصص المجابهة العنيفة التي شنّها العرب المشركون في مواجهة اتباع الدين الجديد. على العكس تماماً كانت ردّات فعل النبي صلى الله عليه وسلم الهادئة مع الآخر المعتدي قمة في التعاطي الأخلاقي المتسامح. حادثة دخول النبي منتصراً الى مكة ليست إلا مثلا من الأمثلة الكثيرة الراقية للتسامح النبوي مع مشريكي مكة حيث لم ترق نقطة دم واحدة عند دخوله مكة، وقد قال لأهلها وهم من ألدّ أعدائه: «إذهبوا فأنتم الطلقاء».
مثال آخر من مئات الأمثلة تظهر ردّات الفعل العنيفة في العقل العربي حادثة تدنيس البدوي داخل أروقة المسجد النبوي وسل السيوف للنيل منه وتدارك النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر طالبا من صحابته أن يدعوه يكمل شنيع فعله ثم قال لهم «أهريقوا على بولهِ ذَنوباً أو سجلاً من ماء فإنما بُعِثتم مُيسِّرين ولم تُبعثوا مُعسرين». ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما حملك على أن بِلْت في المسجد؟ فقال له: «والذي بعثك بالحق، ما ظننتُ إلا أنه صعيد من الصعدات فبِلْتُ فيه» ثم سرد لقومه حين عودته قائلاً: «فقام النبي صلى الله عليه وسلم إليّ بأبي هو وأمي، فلم يسبّ، ولم يؤنّب ولم يضرب». من هنا نفهم بأن التربية التي تلقّاها النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن وليدة مجتمعه وبيئته وإنما وليدة تربية السماء حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أدّبني ربي فأحسن تأديبي).
حتى في مجالات الخلافات على صعيد إدارة البلاد خلال الرعيل الأول من الخلفاء بعد انتقال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام الى الرفيق الأعلى، كانت الآراء المخالفة لسياسات الحكم تجابه من الجماعات بردّات فعل مزمجرة تسمع فيها رنين السيوف وصيحات المؤيدين للحاكم فلا يقطعها إلا مناداة الخليفة لجماعته بأن يدعوهم ليعبّروا عن آرائهم بكل حرية، بل جعل من صراخهم واعتراضهم دليل عافية وخيرية تعمّ فائدته على المجتمع بأسره: «فوالله لا خير فيهم إن لم يقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها».
لن أعدّد الأحداث وكمّ الحريات والآراء المخالفة التي طالت كبار الفقهاء والعلماء على مرِّ التاريخ الإسلامي فهي أحداث تُندّى لها جبين هذه الأمة، ولكني أتوقف عند منهجين متضادين لمواجهة الإختلافات في وجهات النظر سواء الإجتهادات المبنية على استنباطات شرعية لم تلقَ القبول مطلقاً أو في حينها، ثم تم قبولها، أو آراء خاطئة ومخالفة لما علم بالدين بالضرورة. المنهجية الأولى حادّة وإقصائية تنبع في جانب منها من الطبيعة البيئية لتلك البلاد، وهي ترتكز على ردّات فعل غاضبة وحناجر صادحة تصل الى التكفير والردّة والقتل. هذه المنهجية سهلة السلوك وتثب الى الجانب الإنفعالي في الدماغ حيث تتحكّم العاطفة عن طريق تبريرات قد تكون صادقة ومؤمنة وقد تكون عبثية منافرة. أما المنهجية الثانية فهي إلهية المصدر ونبوية الأداء فهي تدعو الى الحوار الهادئ عبر مواجهة الفكر بالفكر والرأي بالرأي واعتبار أن اجتماع الناس للحوار حيث تتوارد الأفكار هو تلقيح للعقول وليس حجراً على المعقول. تغليب المنهجية القرآنية المتعقلة والهادفة على منهجية الحناجر الصادحة عند كل مخالفة أو شبهة مخالفة، هي التي رفعت الحضارة الإسلامية إلى قمة الحضارات الراقية خلال فترة زمنية وجيزة جداً، ثم هَوَتْ بعد أن تحكّمت بها العقول الفارغة، الى الدرك الأسفل من المجتمعات الإنسانية.
في أوجّ ما يستعرّ من خلافات لمواجهة الأفكار الإباحية التي تغزو الدول العربية في السنوات القليلة الماضية، انتهج كثير من «المشايخ» منهج الصراخ والتخوين والتكفير. بينما كان الأولى والأصلح لاحتواء هذه الأفكار ومنع تمدّدها، أن يُبادر العلماء المصلحون الى الإضاءة عليها وتبيان مكامن الخطر فيها والدعوة الى حوار بنّاء ورصين مع مروّجيها... عصر التكنولوجيا وانفتاح الشباب على كافة العلوم والثقافات لم يعد يشبه بشيء العصور الماضية، حيث كانت المجادلات والمناظرات، كما في محنة خلق القرآن، تنتهي بإراقة الدماء وقطع الرؤوس وفرض الأمر الواقع بقوة السيوف والفؤوس، بينما منهج السماء يقوم على منهج الإبتعاد عن الغلظة والعنف وليّ الأذرع، حيث تصبح المجادلة الإيجابية الواجبة الإتباع {بالتي هي أحسن}، مما يعني بأن المجادلة الحسنة إذا وجد ما هو أحسن وأرقى منها انقلبت الى مجادلة أقل درجة، وأحطّ قيمة {وجادلهم بالتي هي أحسن}، {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك}.