بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2026 12:00ص الثالثُ من حزيران... حين يصبحُ الوفاء للأم عهداً بالوفاء للوطن...

حجم الخط
د. مهى محمّد مراد

ليس من السهل أن يجتمعَ في يومٍ واحد معنى الميلاد ومعنى الفقد، فهناك تواريخ تمرّ في حياة الإنسان كأيام عادية، وهناك تواريخ تتحوّل إلى محطات وجوديّة، تُعيد تعريف العلاقة بالذات وبالزّمن وبالحياة.
فالثالث من حزيران بالنسبة لي ليس مجرّد تاريخٍ في الروزنامة، ولا مناسبةً شخصية مرتبطة بعيد ميلادٍ أو ذكرى عائلية، بل هو يوم تختلط فيه مشاعر البداية والنهاية، الفرح والحزن، الحضور والغياب... ففي هذا اليوم وُلِدتُ، وفي اليوم نفسه رحلت والدتي إلى جوار ربّها، وكأنّ القدر أراد أن يجعلَ من هذا التاريخ درساً دائماً في معنى الاستمرار رغم الفقد، وفي معنى الأمل رغم الألم...
لقد نشاتُ في بيروت المدينة التي عرفت الحروب كما عرفت الحياة، وعرفت الانقسامات كما عرفت القدرة على النهوض من تحت الرّكام.
لقد عشتُ كما عاش أبناء جيلي تفاصيلاً كثيرة من القلق والخوف وعدم الاستقرار، ورأيتُ كيف دفعت الأزماتُ المتلاحقة آلاف اللبنانيين إلى الهجرة بحثاً عن فرصة أو أمان او مستقبل أفضل، لكن وسط كلّ التحولات بقيَتْ هناك حقيقة واحدة لم تتغيّر، وهي أنّ الوطن لا يُبنى بالكراهية ولا يُحمى بالتعصّب ولا يستمرّ بالانقسام.
وهذا الدرس لم أتعلّمه في قاعة محاضرات ولم أقرأه في كتاب سياسيّ، بل تعلّمته في بيت متواضع من والدين آمنا بأنّ الإنسان يبقى إنساناً قبل أيّ انتماء آخر.
فوالدتي رحلت، وهي التي كانت ترى في الجار أخاً، وفي الضيف فرداً من العائلة، وفي الاختلاف مصدرَ غنىً، لا سبباً للخصومة، ولم تكن تسأل الناس عن طوائفهم ولم تكن تنظر إلى أسمائهم أو مناطقهم قبل أن تفتح لهم قلبها وبيتها، كما كانت تؤمن أنّ المحبة هي لغة يفهمها الجميع، وأنّ الاحترام هو الطريق الأقصر إلى بناء مجتمع متماسك، كما رحل والدي الذي غرس فينا قيَم الكرامة والعدل وتحمّل المسؤولية، وعلّمنا أنّ احترام الإنسان لا يرتبط بموقعه الاجتماعي أو السياسيّ، بل بإنسانيّته وبأخلاقه، ومن هذين الأنموذجين الإنسانيين، تَشكَل الوعي الوطنيّ.
لقد أدركتُ مبكراً أنّ لبنانَ لا يحتاج إلى مزيدٍ من الجدران بين أبنائه، بل إلى مزيدٍ من الجسور، ولا يحتاج إلى خطابٍ يوسّع مساحاتِ الخلاف، بل إلى مشروع يُعيد الاعتبار للمواطن ويضع مصلحة الوطن فوق كلّ اعتبار. إنّ التحديَ الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على معالجة الأزمات الاقتصادية أو الإداريّة أو السياسية، بل يتمثّل في استعادة الثقة بين الناس ووطنه.
فالهجرة المتزايدة للشباب ليست مجرّد ظاهرة اجتماعية، بل هي تعبير مؤلم عن شعور أجيال كاملة بأنّ أحلامها لم تعد تجد مكاناً داخل حدود وطنها، ولهذا فإنّ مسؤولية أيّ عمل عام أو وطنيّ، لا تبدأ من المنافسة على المواقع، بل من الإيمان بأنّ خدمة الناس هي جوهر أي مشروع إصلاحيّ حقيقيّ، فالدولة القويّة لا تُبنى بالشعارات، إنّما بالمؤسسات والكفاءة والعدالة وتكافؤ الفرص.
وفي هذا اليوم الذي يحمل بالنسبة لي معنىً خاصاً، أجدني أكثر اقتناعاً بأنّ الوفاء الحقيقيّ للوالدين لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالتمسّك بالقيم التي زرعاها في نفوس أبنائهما، وأنّ الوفاء للوطن لا يكون بالخطابات فقط، بل بالسعيِ الدائم إلى بناء مستقبل أكثر عدالة وإنصافاً للأجيال القادمة.
لقد رحل والديّ، ولكن ما غرساه فينا من محبة للناس ومن إيمان بالوطن ما زال حيّاً فينا، وما زلتُ أؤمن بأنّ لبنان، رغم كلّ الجراح، قادر على النهوض عندما يلتقي أبناؤه حول ما يجمعهم لا حول ما يفرّقهم.
وفي الثالث من حزيران من كلّ عام لا احتفل بعام جديد من العمر بقدر ما أتوقّف عند معنى أعمق:
أنّ الإنسان يرحل، لكنّ القيَم الصادقة تبقى...
وأنّ الامّ التي غادرت الدنيا في هذا اليوم تركت في قلوب من عرفوها وطناً من المحبة لا يموت... رحم الله والديّ رحمة واسعة، وحفظ لبنانَ وأهله، وجعل مستقبل هذا الوطن أجمل ممّا عرفه من أزمات وأكثر اتساعاً لما نحمله جميعاً من أمل.