استوقفت امرأة الجاحظ في أحد أسواق بغداد وأشارت إليه أمام صائغ قائلة: «مثل هذا»، واختفت في زحام السوق. ولما استفسر منه عما فعلت، أجاب: «طلبت مني ان أصنع لها قلادة انقش عليها صورة شيطان، وقلت لها انني لم أرَ الشيطان في حياتي، فعادت بك لتقول ما سمعت»! ضحك الجاحظ من كل قلبه على الطرفة ولم يستنكف من روايتها لكل من يعرفه في كل مناسبة.
وكان لسقراط وجه قبيح مثل الجاحظ، فاراد أخصامه أن يحطّوا من قدره ويهزأوا به، فاوعزوا إلى أحد الكتّاب المسرحيين أن يكتب مسرحية يكون بطلها سقراط، بهيئته وشخصه، ففعل، فلما أعلن عن عرضها على المسرح، كان سقراط أول المشاهدين، وكان أكثر الضاحكين من شخصية الممثل الذي كان يشبهه تماما، والذي أتقن دوره، وعجب أخصام سقراط أن يتقدم مهنئي المؤلف والمخرج والممثل، ويشكر وهو يضحك، كل من له يد في نجاح المسرحية، وقال لهم: «لقد زدتموني معرفة بنفسي، فلن يكون الإنسان إنساناً إن لم يعرف نفسه على حقيقتها...»، ثم صرخ بأعلى صوته: «أيها الناس، اعرفوا نفوسكم..».
أمثال الجاحظ وسقراط، هم الذين يمتلكون ميزات المركبات الشخصية العالية، فهم أسياد هذا العالم على امتداد التاريخ الإنساني، وهم الذين يتلقون الطرفة والنكتة ويرسلونها في كل حيوية وفاعلية، لأنهم يعلمون ان الطرفة والنكتة والدعابة هي جزء من مكونات الحياة النفسية الإنسانية. فالمرء ليس بهيئته وجمال وجهه، وإنما هو بروحه، وعقله، ولسانه، ومنطقه. وقد قال النبي العربي (صلعم): «المرء مخبوء تحت لسانه» و«المرء بأصغريه، قلبه ولسانه» والقلب هنا هو العقل، وهو كما قال الشاعر العربي:
إذا كنت في القوم الطوال علوتهم
بعارفة حتى يقال طويل
والعارفة هنا هي امتزاج العقل بالعلم!
الا فأدركوا هذا يا «أصحاب الشأن»!!!
والعرب تقول ان الكلام الذي ينطق به الإنسان، إن لم تطرف معانيه، وتشرف مبانيه، وتلتذه آذان سامعيه، لا يعد من البلاغة ولا من البيان!
* أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه*