يعتبر التراث الثقافي في غاية الأهمية للوزارات المعنية خاصة وزارات الثقافة والتربية والسياحة لعدة عوامل أهمها:
< وقوعه في صميم الهوية الوطنية والشعور بالإنتماء.
< كونه يُوفر إستمرارية ثقافية وحضارية في بيئة معمارية وطبيعية دائمة التغيّر.
< لأن الآثار والأبنية التراثية والمعالم التاريخية هي شاهد على تذكيرنا بإنجازات الآباء والأجداد وكل ما له صلة بالماضي.
< التراث الثقافي بشقيه المادي والمعنوي هو عامل جذب للسياحة والرخاء الاقتصادي والاستدامة البيئية الراقية.
تعتبر وزارة الثقافة هي المعني الأول في المحافظة على التراث الثقافي كونها الحاضنة في هيكليتها جهات ذات صلة تابعة لها كالمديرية العامة للآثار والمتحف الوطني والمكتبة الوطنية وغيرها (قانون رقم 35 تاريخ 16/10/2008). أما وزارة السياحة فلها دور لا يستهان به من خلال مصلحتي الإنماء والتجهيز السياحي ودائرة الأبحاث والمستندات ووحدات تابعة للمديرية العامة للآثار (مرسوم رقم 5743 تاريخ 22/10/1966). أما دور وزارة التربية والتعليم العالي فقد استفاضت في شرحه في عدد 21 أيلول/ سبتمبر 2022 من جريدة «اللواء» البيروتية هذه تحت عنوان «تراثنا أمانة لأجيال الغد في عهدة وزارة التربية اليوم»، فليراجع.
ينص الدستور اللبناني لعام 1926 مع تعديلاته على ضرورة حماية المباني التراثية والآثار، تلاه قانون الآثار بقرار رقم 166 ل.ر. تاريخ 7/11/1933، وعدة قرارات وقوانين تلت. وفي المادة الأولى من القرار رقم 166/ ل.ر تاريخ 7/11/1933 المذكور، عرّف المشرّع اللبناني الأثر بما يلي: «تعتبر آثاراً قديمة جميع الأشياء التي صنعتها يد الإنسان قبل سنة 1700م/ 1107هـ، مهما كانت المدنية التي تنتمي إليها هذه المصنوعات. وتعتبر شبيهة بالآثار القديمة وخاضعة لقواعد هذا القرار الأشياء غير المنقولة التي صُنعت بعد سنة 1700 وفي حفظها صالح عمومي من جهة التاريخ أو الفن، وقيّدت في قائمة الجرد العام للأبنية التاريخية المنصوص عنه في المادة 8. كتب الأستاذ الدكتور عصام مبارك لمجلة الدفاع الوطني اللبناني عدد 97 - تموز 2016 عبر الموقع الرسمي للجيش اللبناني: «يُستشف من هذا النص أن المشرّع اعتبر جميع الأشياء المصنوعة في زمن معيّن آثاراً دون تحديد طبيعة تلك الأشياء المادية في الجزء الأول من التعريف. أما في الشق الثاني منه فقد صنّف الأشياء غير المنقولة آثاراً وأعطاها تعريفاً خاصاً، وصنّفها إلى أربعة أنواع: البنايات والإنشاءات التي فوق الأرض وتلك المطمورة تحت الأرض، أما الآثار الباقية التي لم تدخل في التعداد، فقد اعتبرت آثاراً منقولة، وفي حال وجود تنازع حول ماهية الشيء منقولاً كان أو غير منقول، يكون الفصل فيه بالرجوع إلى رئيس دائرة الآثار، ويعتبر قرار مدير الآثار قراراً إداريّاً عادياً يمكن الطعن فيه في حالة تضرر أحد الأفراد من ذلك القرار، حيث يتم بعد ذلك إحالة الدعوى إلى المحكمة المختصة لإنهاء النزاع».
مما لا يخفى أن بعض - إن لم يكن أكثر - أصحاب المباني التراثية يفشل في الحفاظ عليها، مما يسبب تعرّضها لضرر فادح إلى أن يتم اقتراح هدمها، وما أكثر الأمثلة على ذلك في بيروت خاصة، للأسف الشديد. وقد يكون هذا متعمّداً أو مدفوعاً بضغوط أخرى على المالك. وما لم يتم اتخاذ أي إجراء، فقد يحدث فقدان لا رجعة فيه لمعلم تراثي، مما يعرض الجهات المختصة لمخاطر سمعة غير طيبة، بما فيها الوزارات المذكورة بهذه المقالة.
التوصيات
1. تحتاج الوزارات المعنية إلى العودة لدور قيادي في مجال التراث. ويمكن القيام بذلك بعدد من الطرق بما في ذلك السعي بشكل أكثر تناسقاً مع بعضها البعض، وإصلاح قانون حماية المباني التراثية بشكل نهائي واضح، وتقديم دعم أفضل للمؤسسات الثقافية، ومن خلال تشجيع البحث وتطوير الخبرات.
2. لتسهيل ما ورد أعلاه، تحتاج الوزارات إلى تطوير استراتيجية لحماية التراث الوطني في زمن الحرب كما في زمن السلم.
3. يجب أن يكون هناك تناول أكبر للأدوار والمسؤوليات المعنية بالتراث ضمن القوانين والقرارات المرعية الإجراء دون تدخّل من «الزعماء» والسياسيين والمقاولين وغيرهم من أصحاب رأس المال المنفعيّ المتسلّط، ولم يعد يخفى أن كبار المستثمرين والمطوّرين العقاريين في لبنان لهم علاقات مميزة بالأشخاص الموجودين في السلطة وحتى أن بعض السياسيين يمتلكون شركات عقارية!
4. يتطلب القيام بذلك تنسيقاً أفضل ومزيداً من تقليل الإزدواجية بين جميع مستويات الحكومة، بما في ذلك قدر أكبر من التوحيد والتكامل بين أنظمة التراث الحكومية والمجالس البلدية، لأن البلدية المميّزة هي التي تستقطب الناس لزيارة المنطقة، وقد بدا ذلك جليّاً من خلال مهرجانات وأنشطة عدة بلدات وقرى لبنانية منذ مطلع فصل الصيف الحالي وتشكر بلدياتها على ذلك.
5. يجب أن تكون هناك إما قائمة منسقة واحدة لأماكن التراث اللبناني أو ربط وتنسيق أفضل للقوائم الموجودة.
6. هناك حاجة إلى مزيد من المساعدة من خلال الحوافز لتمكين الحفاظ عليها وتسهيل تقدير الملكية الخاصة للممتلكات التراثية. وهذا الأمر لا يتحقق إلّا بزيادة موازنة الوزارات المعنية المذكورة خاصة وزارة الثقافة التي إلى الآن لا يُخصص لها إلّا نسبة مئوية ضئيلة عبر موازنات عقود من الزمن!
7. إن زيادة تقدير الجمهور للتراث أمر ضروري. ولتحقيق ذلك، يتعيّن على الحكومة أن تعترف وتدعم عمل القطاعين التطوعي والمهني، لتعزيز الأنشطة العامة وبرامج التعليم العام والمدرسي، وتوفير حوافز أوضح لأصحاب الممتلكات التراثية الخاصة.
8. يجب أن يكون هناك اعتراف أكبر بعمل القطاع غير الحكومي، وخاصة المتطوعين، لضمان الاعتراف بجهودهم وتقديرها. وقد يتم ذلك جزئياً من خلال توفير المساعدة المالية، ولكنه أيضاً يتم بنفس القدر من خلال الاعتراف العام والتشاور على نحو أفضل من جميع مستويات الحكومة بل على جميع المستويات، لتكوين مجموعات ولجان استشارية للتراث الثقافي.
9. تحتاج جميع السلطات الحكومية إلى المساهمة بشكل أكبر من خلال تمويل أفضل للمشاريع المنهجية والأبحاث التاريخية ودراسات التراث، ومن خلال تسهيل وتعزيز أنشطة أفضل.
10. تحتاج الحكومة إلى مساعدة خاصة من الهيئات والمؤسسات العالمية في أدوارها التراثية، في أمور مثل توفير الخبرة وتوظيف مسؤولي التراث وتطوير خطط واستراتيجيات وعمليات التراث المناسبة.
أخيراً أرى أنه من المؤسف أن القدرات الحكومية والمهنية للحفاظ على التراث الثقافي بجوانبه المتعددة لا تزال ضعيفة في لبنان. وهناك قضية خطيرة أخرى تتمثل في أهمية التراث الثقافي في نظر المواطنين، حيث يلعب الشعب دوراً حاسماً في حماية التراث الثقافي. في العديد من البلدان في جميع أنحاء العالم، وخاصة في أوروبا، تُعدّ حماية التراث عنصراً هاماً في تخطيط المدن واستخدام الأراضي. ومن المهم مراعاة علم الآثار والتراث في صنع السياسات والتخطيط لضمان حماية التراث الأثري والثقافي. والدعم العام أمر حيوي لحماية التراث وإنشاء نظام فعّال لحمايته، نظام يكون قوامه توازن عادل بين حماية موروثنا المهدّد وتمكين التغيير المناسب.
-------------
* جمعية تراثنا بيروت
srmpharm@gmail.com