يملك اللبنانيون وجها آخر للحياة، حضارياً حدَّ الريادة، ثقافياً حتى الإشعاع، لا يحتاجون معه إلى عصابة حاكمة تعترف به حينا، وتنكره ساعة تشاء وعلى توقيت حساباتها الاقليمية السمجة وقياسات شُذّاذ آفاقها ممن يُسمّون أنفسهم فخامات وسعادات ومعالي وعطوفات وسيادات وسائر ألقاب مرضهم النفسي المزمن. ويفهم اللبنانيون أن البلدان لا تكتسب معارفها بقرارٍ سياسي مجرد، ولا بالتضحيات فحسب، إنما أيضاً بالحَدْس المديني المجرّد الذي يتكورُ فيهم على علوم الخاصّ والعام في الفكر والفنون والآداب والتاريخ والاجتماع، في كل فكرة مُبتكرة، صيغة، رأي، تنظير، خبرة أو خطوة أو ممارسة أو اكتشاف أو تجربة، تمزجُ الأصالة بالحداثة كعنصرٍ أساس في قيادة أية منظومةٍ معرفية من شأنها المدّ بعمرهم الثقافي. بهذا المعنى كتبَ اللبنانيون مناخهم الثقافي بثقة وكفاءة كعنوان للتحرر، منطلقين من عاصمتهم بيروت «مُلهِمة الشعراء» كما تقول لميعة عباس عمارة، ونشيداً جميلا في شاعرية النخبة الطليعية للعرب أينما كانت، ومَنْجماً غنياً بأسرار القِيَم الحياتية اليومية التي تعانقت بهؤلاء القوم، لتحفرَ في تاريخ مدينتهم الحديث ربرتوار علاقتهم بمعرضهم الثقافي الخاص بهم، الذي يشمل كلِّ تفصيلٍ صغير في الحضور واللّباس والسّمْت، من التسريحة والعطر والجينز ولباقة الحديث والتصرف مع الأصدقاء والكتاب وربما الأبناء والزوجة والصديق والجار والحبيبة وسائق التاكسي وعامل النظافة، عطفاً على عُمْقِ العناوين المستنيرة التي حملتها جلساتهم بين أرجائه كيفما عُقِدَتْ في أيّ مقهى، مطعم، كافيتريا، أو ربما «سناك» صغير بين متحاوِرَين على كرسيّ خشبي عاديّ أو «فوتيل» مُزخرَف برفقة القهوة، الكابوتشينو والنسكافيه وربما الشّاي أو ما قد يُشرَب في لحظاتِ نقاش أو قراءةِ قصيدةٍ أو كتابٍ أو جريدةٍ أو منشورٍ اجتماعي أو سياسيّ. انبسطَ كلُّ ذلك بالفِطرة فلمْ تعلَم ساكنةُ هذه المدينة الصغيرة بل ولم يتنبّه أُناسها يوماً إلى أنّ طبيعة حياتهم تلك هي مما يُعقَدُ لواء الريادة في المعارف والعلوم والفنون، ومِمّا يؤكِّد عراقتها النّخبوية الطليقة جداً بدءاً بالمعنى الشخصي في حرية القول والموقف وقبول الاعتقاد المختلف والتفاعل معه بأناقة الحوار. لبنانيو لبنان ساحة كوزموبوليتية في سياقاتها التاريخية/ المَدينيّة منذُ القِدَم، وورشة نشطة تنافسية في المعارف بين جنسيات مختلفة أوّلها وأبرزها أوروبي كاثوليكي وأميركي بروتستانتي، قدّمتْ نفسها كإرسالياتٍ في خدمة هدفَين: تبشيري، وتعليمي، فشلِتْ في الأوّل بمُمانعة حواضر المذاهب الأُخرى، لكنها نجحتْ جدّاً في الثاني بأنواع العلوم ومُلحقاتها من أولى المطابع في الشرق تأليفاً وترجمة إلى المدارس والصّروح العلمية التي كرّستْ، شئنا أم أبينا، معطًى حضارياً لفكرة التعلُّم والتّعليم كمدرسة «عين وَرَقَة» أوّل مدرسة حديثة مُنظّمة في الإقليم، والجامعات (الأميركية، اليسوعية...) التي وسّعتْ جمهور المنافسة في الإقبال على تحصيل العلم. بهذا الاندفاع الثقافي استمرّت فكرة الكتاب سنوات طويلة في جوانيّة أبناء هذه العاصمة: مركزاً متوسطياً لأرتال الصحافة الحرة بلُغاتها المختلفة وإنتاج المعلومة الصحيحة وحرَكية النّشر النوعيّ، وجهة المُبدِعِين الذين يأتون إليها لأخْذِ الشّرعية فيها ومنها. اللبنانيون هم الكفاءات، والكفاءات هي الثروة، العُمدة، شعلة الحرية... والحلّ، ورافعة دائمة للمُنجَز الثقافي العربي بأجناسه الأخّاذة، من نشأة المسرح مع مارون النقاش منذ عام 1847 ثمّ مع ابن أخيه سليم في القاهرة، هذا الفنّ الذي لم تعرفه بعض العواصم إلا بعد مرور أكثر من خمسين عاماً على ولادته البيروتية، إلى سِفْرِ التّرجمات المُبكِرة، حتى حداثات مجلتَي شِعر والآداب الشهيرَتَين في الفكر والأدب، وليس انتهاءً بأوّل معرض للكِتاب العربي في الشرق الأوسط وقد أصبحَ جزءاً من تاريخ لبنان والعرب وها هو يدخل عامه الرابع والستين اليوم. أصبح مُجرّدُ تخيُّلِ بيروت بلا معرضها الأصيل أمراً مستحيلاً، بما هو علامة بارزة في صلب الممارسة الثّقافية للبنانيين، ولو تفاوت مضمون ندواته وحجم تأثيره في جذب الجمهور، عطفاً على الغياب الكبير للشّخصيات الثّقافية/ الأدبية المحلية والعربية المُبدعة إلا من رحم ربي، ومن باب الواجب الاجتماعي، مع حفلات تواقيع بعض الكتب مما نُفِض الغبار عن أغلبها، التي لم تكن حفلات في الواقع، بالمعنى المُعتاد للكلمة، وإنما لقاءات صغيرة غلبَتْ عليها الاتّفاقات المُسبقَة بين أصحابها الذين كانوا يتنقلون مُجتمِعِين هم أنفسُهُم بين دار نشر وأختها علّهم يجِدُون في ذلك التّزاور والتقاط الصوَر والمُجاملات عوضاً معنوياً وواجهةً إعلانية تهدهد هواجس النجاح لديهم، أو قد تهضمُ معضلة غياب القُرّاء ممّا تنبّه له بعض الكتّاب المعروفين محلياً، المُكرّسِين عربياً، فأحجموا عن توقيع إصداراتهم الجديدة مراعاة لجيبة القارئ ولعدم إحراجه من جهة، وحفظا لماء الوجه من جهة ثانية. لقد كانت كل تلك الأنساق النهضوية عطفا على معرض الكتاب عفوية جداً، طبيعية حقّاً، تفهمُ نفسها كما يجب ولا تخجلُ من فشلها بل تعيدُ ترتيبه بمفاتيح الأسئلة وآفاق التجريب، وتفكِّرُ دائماً بتقصّي واستشكال ما غَمُضَ عليها من مغازي الأدب والفن والاجتماع والفلسفة والتاريخ والسياسة في مهدها المحليّ وإلى ما وراء البحار. مُفارقتان دائمتان لطالما انبَنَتْ عليهما مُوجِبات التعليل الموضوعي لحالة اللبنانيين في علاقتهم بعاصمتهم: الأولى أنّ المال الذي لم يشكِّل يوماً السّبب الرئيس في الحَيَوات الأولية للبِنى الثقافية فيها، هو الذي عجزَ - برغم تدفقه الفاحش - عن تكريسِ مُدُنٍ ثقافية عربية مُنافِسة، وأقلّهُ مُوازية، لعاصمتهم بيروت؛ أما الثانية فهيَ أنّ المجتمع اللبناني ظلّ يعيشُ في الواقع فاعليةً فكرية متقدِّمة شكّل المعرض العتيد أحد وجوهها المتألقة، بالرغم مما اختلفتْ عليه طوائفه دينياً ومذهبياً حدَّ الاقتتال في الحروب الأهلية الداخلية، متميزاً عن محيطه من المجتمعات العربية الأُخرى ذات الدِّين بل والمذهب الواحد. نستدركُ هنا بما هو غنيٌّ عن البيان أنّ مدناً كالقاهرة ودمشق وبغداد كانت حواضر علمية راسخة في تاريخنا الحديث بشكلٍ أو بآخر، إبداعاً ونشرا، فكانتْ القاهرة مثلاً مَعْلَمَة حضارية فعلاً وتفاعلاً في تاريخ الشّرق تحت لواء أُسرة محمد علي التي تداولت بالتّتابع دوراً تنويرياً حقيقياً بدءاً بالترجمات والبعثات العلمية الشهيرة وليس انتهاءً بتطوير أجناس العمران والاقتصاد والإدارة والعلوم المختلفة أيام الخديوي إسماعيل، لكنّ أدوار هذه المدن انحسرتْ مع وصول الاستعمار الغربي الذي ما إنْ تخلّصتْ منه فعلياً في فترات متفاوتة من القرن الماضي حتّى وقَعَتْ في مأزق كبير جسّدهُ حُكْمُ الفرد الأوحد الذي أفرزته المنظومات العسكرية الشمولية بصِيَغٍ انقلابية وحتى اليوم، ما أعطاها استقلالات صورية حتى الكذب، وأفقدها حُرِّية القول والفعل لعقودٍ طويلة في المشهد الثقافي العربي في الوقت الذي كان فيه اللبنانيون وبالتوازي يُمارسون ديمقراطيتهم البرلمانية برغم كل شوائبها. لبنانيو لبنان، النوعيون، هم المُتحوِّلون دائماً في السياسة، فلا شيء عندهم اسمهُ رئيسٌ إلى الأبد، ولا ملك ولا أمير ولا سلطانَ في ذاكرتهم ولا مَلِك مُفدّى، بل تداولٌ للسُّلطة يتجدّدُ فيه المفهوم العميق لمعنى الحريات التي بنَتْ مُواطِنَ الرّوح السّهلة بكل تناقضاته الجميلة، الذي، وفي وقتٍ واحد، جعلَ من بلده مَصْيَف العرب وملهاهم، والمركز العربيّ الأوّل لفدائيي منظمة التحرير في مواجهة اسرائيل من قلب عاصمته، ومحور التقاطع العَقَديّ لأفكار العرب المُتعلقة بطريقة النضال بعد تقسيم فلسطين وهزيمة 1967، والذي طردَ «إسرائيل» من شوارع تلك العاصمة عام 1982 ببندقيةٍ وطنيةٍ لا طائفية، مؤمناً بالشهداء حقاً كيلا يصبحوا في المدى المنظور أرقاماً للاحصاء. يؤكّد هذا المعرض دوما أهمية الكتاب كواجهة فكريةٍ حضارية تكرّس عروبة بيروت، لأن عقلية هذه المدينة هي عقلية الكتاب نفسه، بما هو سلاح حمّالُ مضادّاتٍ ثقافية ومعرفيّة في وجه من يهمه الأمر، وامتيازها أنها قدمت براءة اختراع لشرعية فقه الحوارات بين العرب أنفسهم وأنها خدمت إنسانيتهم فلم تتأخّر يوماً في فتح أبواب اللّجوء السياسيّ لِطَرِيدي الرأي والفكر والموقف كوطنٍ ثانٍ زَها مُعظمهم بانتسابه إليها عضوياً وروحياً في أكثر مراحل حياته عملاً وعطاء، كما لم تكن يوماً كعب أخيل لاغتيال أُمّتِهِم ورؤاها الطموحة. وفي كل حال، فاللبنانيون، أهل المدينة الحقيقيون، دخلوا معرضهم بمحبة وقرأوا وشروا كتبهم وخرجوا أيضاً بمحبة على الرغم من كل المؤثرات الداخلية والخارجية الدخيلة الهجينة التي حاولت الايحاء زوراً بأنّ مدينتهم أصبحت خارج السّرب العربي، لتبقى مدينة الكلمة والفكرة أوّلاً، وواجهة المتوسّط البحرية المنفتحة برمزيتها على حرية أن يقولوا دائما: نحن لا نزال هنا.
الحسام محيي الدين