بيروت - لبنان

اخر الأخبار

24 شباط 2026 12:00ص في العمل أمل!

حجم الخط
قال صبي لفلاح شيخ: «متى يثمر ما تغرس يا عماه؟» فأجاب العجوز: بعد خمس عشرة سنة. فقال الصبي: «وهل تأمل قطاف ما ستقدمه غرساتك من ثمار، وقد نهك العمل قواك، وأنت من الآخرة قاب قوسين أو أدنى؟». فلفظ العجوز الكلمة الخالدة: «لقد زرعوا فأكلنا، ونزرع فيأكلون».
ان هذا الفلاح النشيط يغرس الخير بيديه المباركتين، في أيام الغرس، عندما تكون الطبيعة على أشدّها من القسوة بردا ورياحا وأمطارا. ويداعبه الأمل الباسم بغلّات تفيض بها الأرض محصولا سيقطفه نديّا شهيا، ويجني منه ربحا ورغدا. وهو يعلم ان المنية هي سنّة الكون، ولكن الله كريم رحيم، وقد يمهله حتى يقطف ما يشتهي. انه الأمل الباسم بخصب غزير، وإنه أيضا سر الديمومة، فآباؤنا عملوا من أجلنا وبنوا، ونحن نعمل من أجل الأجيال القادمة فنبني.
وكل إنسان ينساب في تيار الحياة انسياب الهدير الجارف ليحقق لذاته ولأسرته ولأمته أماني عذابا ومكاسب جساما. ليس في طلب ذلك هوادة أو راحة، فمعركة الحياة دأب دائم، وتطلّع إلى الأفضل دائم، وأمل دائم، والعمل للدنيا كأن الإنسان يعيش أبدا، وللآخرة وكأنه يموت غدا. والانتصار حليف المجد الصبور الذي يلتزم في سلوكه قيما أخلاقية تقرّها المبادئ والضمير قبل المجتمع.
هل يستيقظ مجتمعنا على نهضة فعلية فاعلة في جميع المجالات، فيتاح له اللحاق بركب الحضارة فيربط الماضي الزاهر بالحاضر المناضل، وبالمستقبل الباسم. فالحياة ديمومة، وهمّة الرجال وأخواتهم تقلع الجبال. فأين رجالنا يا ترى؟ أين تلك النفوس الكبيرة التي لا تتعب في مرادها الأجسام؟
أين الأمل والتفاؤل بيقظة شاملة، بخير عميم، تشرق فيه شمس العروبة الحضارية عبر التاريخ، فتخلّد أثرا حضاريا وتسجل في تاريخ الإنسانية أروع ما وصل إليه العقل من الفن والعلم والفلسفة والأخلاق. أين الشموس الحاكمة الخادمة تشرق في سماء أمتنا لتمحو فعلا معالم الاستعمار والإقطاع والتخلّف، وتعتق المواطن من رواسبها، لينطلق ماردا جبارا، يبني وطنه ويشيد صرح مستقبل مشرق زاهر؟ أين الحكومات الرشيدة؟
بفضل نفوس الحكومات المنشودة، وما تزدان به من القوى، يظهر فريق من الأنام فاقوا بقية الورى بما يبدونه من الذكاء العجيب والقريحة الوقادة والإرادة المحكمة. يبزغون في سماء الأجيال شموسا وأقمارا نيّرة، ما يخلّد أسماءهم في صحف التاريخ المنزّه، ويرفع لهم دون سواهم أعلام الفخر والذكر الطيب على مرِّ الزمان.
غير خافٍ على ذوي الحجى والنهى ان الكمالات النفسية بمثابة الطود الشامخ الموطدة على قمته أركان صرح ثوري، يتمرّد على العقبات الكأداء. ويتحتّم على المسؤول الفذ أن يسعى لتذليلها إذ يكون من أهل الهمم الشماء والعزائم الحذاء (بفتح الحاء وتشديد الذال)! نحن ما زلنا نبحث عن ذاك المسؤول واضعين نصب عيوننا قول الشاعر:
بقدر الكدّ تكتسب المعالي
ومن طلب العلى سهر الليالي

أستاذ في المعهد العالي للدكتوراه