عن 74 عاماً قضى معظمها في خدمة الفكر والثقافة والوعي العربي النهضوي، غادرنا صباح أمس (الأربعاء) رئيس «المركز الثقافي الإسلامي» الدكتور وجيه فانوس، الذي أغنى المكتبة البيروتية والعربية والثقافية بآلاف المقالات والأبحاث والدراسات، والذي يُشيّع جثمانه عند صلاة ظهر اليوم (الخميس) في مسجد البسطة التحتا، ليوارى في ثرى مدافن العائلة بـ»الباشورة».
رحلة من العلم والتفوّق
وُلِدَ محمد وجيه صبحي فانوس (21 نيسان 1948- 13 تموز 2022) في حي برج أبي حيدر بالعاصمة بيروت، والده صبحي من تجّار مال القبّان. وتلقى دراساته الأولى في مدارس «جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية» (ابتدائية عثمان ذي النورين وثانوية علي بن أبي طالب)، وتخرج من المرحلة الثانوية في العام 1967 من ثانوية رمل الظريف الرسمية في بيروت، ثم أكمل تعليمه في «الجامعة اللبنانية»، مُتخصّصاً في اللغة العربية وآدابها وعلوم التربية، كما حاز درجة الماجستير في الأدب من الجامعة نفسها، وكان موضوع رسالته بعنوان: عمر الزعني وشعره، كما حصل على شهادة في النقد الأدبي المقارن من «كليَّة سانت أنتوني» في «جامعة أكسفورد» سنة 1980.
انتخب في تلك المرحلة عضواً في مجلس فرع الطلاب في كلية التربية من العام 1969 إلى 1971، كذلك تابع دراسة التاريخ والآثار في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية. وقد حصل نتيجة تفوّقه، على منحة من الجامعة لمتابعة دراساته العليا في جامعة أكسفورد في إنكلترا، وكان أوّل طالب من الجامعة اللبنانية يُقبل في هذه الجامعة. فتخرّج برتبة دكتوراه في النقد الأدبي، حائزاً شهادة دكتوراه في النقد الأدبي المقارن من كليَّة سانت أنتوني – جامعة أكسفورد سنة 1980. وكان موضوع أطروحة الدكتوراه: Aspects Of The Lebanese Contribution to Modern Arabic Literary Criticism. وقد انتخب، خلال سني دراسته في إنكلترا، أوَّل أمين سر لاتِّحاد الطلَّاب اللبنانيين في بريطانيا وشمال إيرلندا من سنة 1975- 1979.
الأستاذ المُحاضِر
بعد عودته إلى لبنان عمل أستاذاً مُحاضِراً في «الجامعة اللبنانية» حتى تقاعده، وكما كان أحد أبرز الناشطين في الاتحادات الطلابية أثناء دراسته، حيث تولّى وجيه فانوس إلى جانب التدريس الأكاديمي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية، العديد من المهام، منها: انتخابه ممثلاً للأساتذة، ومديراً للفرع الأول لدورتين متتاليتين من العام 1986 إلى العام 1992، كذلك تولى رئاسة قسم اللغة العربية وآدابها في الكلية لست سنوات.
حاز رتبة الأستاذية في الجامعة اللبنانية العام 1990، وشغل مهام أستاذ زائر، محاضر، مستشار أكاديمي، عضو لجان تحكيم، وعضو مناقش في عدة جامعات لبنانية وعربية. كذلك حاضر في الجامعة الأميركية في بيروت، جامعة بيروت العربية والمدرسة الحربية، وعُينّ المستشار الأكاديمي لرئيس الجامعة الإسلامية في لبنان، ورئيس قسم الدراسات العليا في كلية الآداب في الجامعة.
مناصب كرّمها
ولم ينقطع عن الحياة العامة حتى بعد تقاعده، حيث انخرط في عدد من الهيئات، وأدار «حلقة الحوار الثقافي»، و»اتحاد الكتّاب اللبنانيين»، و»المركز الثقافي الإسلامي»، وغيرها كعضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي، ممثلاً عن الأدباء والكتّاب اللبنانيين بعد اختياره من قِبل رئيس الجمهورية اللبنانية في العام 2018، رئاسة المركز الثقافي الإسلامي، رئاسة ندوة العمل الوطني، وكرسي محمود درويش في الجامعة الحديثة للإدارة والعلوم.
انتُخِبَ وجيه فانوس أميناً عامّاً لاتحاد الكتاب اللبنانيين في العام 2015، ونائباً لرئيس اتحاد الكتاب العرب، ثم في العام 2019 مستَشاراً عَامّاً للأمانة العامة للاتحادِ العام للأدباء والكتّاب العرب، لأربع سنوات، وسعى خلال توليه أمانة اتحاد الكتّاب اللبنانيين إلى تأمين دعم ماليٍ يكون بمثابة مصدر ريع مستمر للاتحاد، لكنه استقال من الاتحاد في 2 نيسان 2019، معلنًا استقالته في بيان مقتضب، جاء فيه: «أعلن استقالتي من منصب الأمين العام لاتحاد الكتاب اللبنانيين ومن عضوية الهيئة الإدارية فيه، متمنيا للاتحاد كل نجاح وتقدم».
فكر أغنى المكتبة الإنسانية
قدّم د. فانوس قراءات متعدّدة في أكثر من عشرين كتاباً، حول علاقة النقد بالسياقات الفكرية التي يولد ويتطوّر فيها، واستعادة النقد العربي القديم بوصفه تعبيراً عن خلاصة الحضارة العربية الإسلامية، والتي اهتمّ بها كأساس لأي مشروع نهضوي عربي.
من أولى إصداراته كان كتاب «دراسات في حركية الفكر الأدبيّ» (1991)، الذي تناول فيه نماذح مختلفة في الأدب العربي مثل دعبل الخزاعي، أبي العلاء المعري، أحمد شوقي، خليل حاوي، عمر الزعني وجبر ضومط، والرواية في النقد الغربي المعاصر.
وأشار في الكتاب «المذكور أعلاه» إلى أنّ «الأكاديميا ليست سوى سُلطة، والسُلطة وحدها غير قادرة على تحقيق «شرعنة النقد»، فالسلطة بحاجة إلى مؤسسة فكرية، والباحث في النقد الأدبي العربي المعاصر مُجبر على النظر في خلفية المؤسسة الفكرية التي تدعم الفكر النقدي».
اهتمّ فانوس، بحكم تخصصه الأكاديمي في النَّقد الأدبي، والنَّقد الأدبي المقارن تحديدًا، وعوالم ما يسمّى بـ»ما وراء النَّقد»، فإنه في تدريسه الجامعي، كما في أبحاثه الأكاديمية، بالمعنى الضيِّق للاختصاص، اهتمّ للبعد الأكاديمي في النَّقد الأدبي؛ لكنه لطالما توجه، في كتاباته وأعماله الأخرى في المجالات الثقافية العامة، إلى الجمهور العام، عبر انتهاجه مجالات النَّقد الثقافي.
ترك العديد من المؤلّفات، منها: «الريحاني والمعرّي» (1993)، و»محاولات في الشِّعري والجمالي» (1995)، و»أحداث من السِّيرة النَّبويَّة في مرايا مُعاصرة» (1996)، و»مخاطبات من الضفَّة الأخرى للنَّقد الأدبي» (2001)، و»العلاقات العامَّة في المؤسَّسات الأهليَّة» (2003)، و»إشارات من التَّثاقف العربيّ مع التَّغريب في القرن العشرين» (2004)، و»لمحات من النَّقد الأدبي الجديد» (2012)، و»شفيق جدايل.. حكاية صوت» (2014).
إلى جانب مشاركته في تأليف المناهج المدرسية المتخصصة في الأدب العربي للمرحلة الثانوية في لبنان، وتأليفه عدداً من المسلسلات والبرامج الإذاعية منها «حكاية عمر»، و»موزيكا يا دنيا»، و»قضايا وآراء ومن حكايات العرب».