حاجز العودة
حين عاد أهل القرية، لم يجدوا القرية نفسها. كانت البيوت المتداعية تشبه صورًا باهتة من الذاكرة، أما الطريق الوحيد المؤدي إلى الحي فقد انتهى عند بوابة حديدية يقف خلفها جنود يفتشون الداخلين بدقة. لم يكن أحد يعترض؛ الجميع يريد أن يصل إلى منزله، ولو كان مجرد جدار يتكئ عليه الحنين.
في الطابور، كان الأطفال يحملون مفاتيح صدئة لا تفتح شيئًا، فيما كانت الأمهات يحملن أسماء الغائبين أكثر مما يحملن الأمتعة. بدا التفتيش طقسًا يوميًا لا ينتهي، حتى صار الناس يتحدثون عنه كما يتحدثون عن الطقس.
وقف سالم يراقب المشهد. تذكر الأيام التي كان فيها الجيش الوطني يقف عند التلال المقابلة، يراقب الحدود بعين تتجه نحو الخارج، أما اليوم، فقد أصبحت العيون تتجه إلى الداخل، تفتش الحقائب والجيوب والوجوه، كأن الخطر صار يسكن المواطنين لا ما وراء الأسلاك، فمن قاتل العدو لاشهر طوال هو من اصبح في قاموس الجهات الرسمية من يهدد الوطن وليس من يعتدي منذ 80 عاماً.
كان الجنود يؤدون واجبهم بصمت. بعضهم من أبناء القرى نفسها، يعرفون أصحاب البطاقات بالأسماء، لكن التعليمات لا تعرف القرابة. يرفع الجندي الحقيبة، يفتشها، ثم يعيدها بابتسامة متعبة لا تغير شيئًا.
في المساء، دخل سالم بيته الذي بقي منه باب واحد. علق المفتاح على المسمار القديم، وجلس ينظر إلى الغرفة المفتوحة على السماء. أدرك أن الحرب لا تنتهي عندما تصمت المدافع؛ بل حين يستعيد الناس قدرتهم على عبور الطريق إلى بيوتهم دون خوف، وحين تعود الحدود إلى مكانها الطبيعي.
نامت القرية تلك الليلة على أمل هش، كنافذة نجت من الركام، تنتظر صباحًا لا يحتاج فيه العائدون إلى إثبات حقهم في العودة كل مرة.






