مأساة مواطن يبحث عن أبسط مقومات الحياة
محمد جارودي
لم تعد الحياة اليومية في العاصمة اللبنانية بيروت تدور حول تحسين مستوى المعيشة أو التخطيط للمستقبل، بل أصبحت تنحصر في همّين أساسيين: الحصول على ساعات قليلة من التيار الكهربائي، وتأمين ما يكفي من المياه للاستخدام اليومي. وهكذا تحوّلت الخدمات التي يفترض أن تكون من أبسط حقوق المواطن إلى معركة يومية تستنزف وقته وماله وكرامته.
وفي ظل هذا الواقع، تعيش آلاف العائلات معاناة تتكرر كل يوم، بين انقطاع الكهرباء وجفاف الصنابير، وسط شعور متزايد بالخيبة من وعود طالما تكررت، لكنها لم تجد طريقها إلى التنفيذ. ومن قلب هذه المعاناة ترتفع صرخة صادقة تتردد في كل بيت: إلى متى سيبقى اللبناني أسير أزمة تمتد منذ عقود؟ ويزداد هذا السؤال إيلاماً عندما يستحضر كثيرون سنوات مضت كانت فيها الكهرباء والمياه من المسلّمات التي لا تستدعي تفكيراً أو قلقاً. أما اليوم، فقد أصبح المواطن ينظر بحسرة إلى دول العالم التي تعتبر الطاقة والمياه خدمات بديهية، بينما يجد نفسه في عاصمة بلده مضطراً للبحث يومياً عما هو حق طبيعي لكل إنسان.
ولا تقف المأساة عند حدود انقطاع الكهرباء أو نقص المياه، بل إن الأزمتين ترتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ فغياب التيار الكهربائي يؤدي في كثير من الأحيان إلى توقف محطات الضخ وتعذر إيصال المياه إلى المنازل، فتتضاعف المعاناة ويصبح المواطن ضحية أزمتين متداخلتين، لا أزمة واحدة.
وأمام هذا المشهد، يبقى السؤال الذي يطرحه اللبنانيون منذ سنوات: كيف أُنفقت المليارات التي خُصصت لقطاع الكهرباء، ولماذا لم تنعكس على خدمة مستقرة تليق بالمواطن؟ إن هذا السؤال لا يعكس رغبة في السجال السياسي، بقدر ما يعبّر عن حق الناس في معرفة أسباب هذا الفشل المزمن، وفي محاسبة كل من كان مسؤولاً عن إدارة هذا القطاع.
أما المواطن، فلا تعنيه كثيراً التفاصيل الإدارية أو المالية، ولا الخلافات السياسية أو تبادل الاتهامات. ما يعنيه ببساطة هو أنه دفع، وما يزال يدفع، من ضرائبه ورسومه، دون أن يحصل على الحد الأدنى من الخدمات التي تكفلها أي دولة لمواطنيها. والأشدّ قسوة أن اللبناني بات يدفع الثمن مرتين: مرة عبر الضرائب والرسوم التي تذهب إلى خزينة الدولة، ومرة أخرى من ماله الخاص لتأمين البدائل، من اشتراكات المولدات الخاصة إلى صهاريج المياه، حتى أصبحت كلفة الحياة الأساسية عبئاً يفوق قدرة كثير من الأسر، التي تجد نفسها عاجزة عن تحمل هذه النفقات، فتواجه الظلام والعطش وحر الصيف دون أي حماية.
إن أزمة الكهرباء والمياه لم تعد مجرد أزمة خدمات عامة، بل أصبحت امتحاناً حقيقياً لقدرة الدولة على القيام بأبسط واجباتها تجاه مواطنيها. فكرامة الإنسان تبدأ من حقه في أن يضيء منزله، وأن يجد الماء في صنبوره، دون أن يتحول ذلك إلى معركة يومية تستنزف عمره وكرامته.
إن ما يطالب به أبناء بيروت، كما سائر اللبنانيين، ليس امتيازات استثنائية ولا مطالب تعجيزية، بل حقوق أساسية تكفلها أبسط معايير الدولة الحديثة. ولذلك، فإن الخروج من هذا النفق لا يكون بمزيد من الوعود، بل بإرادة سياسية صادقة، وإدارة شفافة، ومحاسبة فعلية لكل من تسبب في هدر المال العام وتعطيل هذا القطاع الحيوي، حتى يستعيد المواطن ثقته بدولته، وتستعيد العاصمة حقها في الحياة الكريمة التي تستحقها.






