حين يصبح الرصيف في بيروت مغامرة تسرق الحياة
محمد جارودي
يُقال إن أرصفة المدينة هي ملامح وجهها. وفي بيروت، غدت الملامح شاحبة؛ لأن العاصمة التي تتنفس فوضى، لم تعد تتسع لخطوات أبنائها.
في وطنٍ يرزح تحت الركام، قد يبدو الحديث عن رصيف المشاة ترفاً. لكن هذا الحق البسيط يكشف، بأكثر من أي خطاب سياسي، حجم الانهيار؛ فعندما يعجز الإنسان عن المشي بأمان في مدينته، تصبح شعارات الإصلاح كلها بلا روح.
تبدأ الحكاية من الرصيف... ذلك الملاذ الذي صودر عنوة لصالح بضائع المحال، وطاولات المقاهي، والسيارات المركونة بلا مبالاة. غدا العابر غريباً في مساحته، مدفوعاً نحو الأسفلت ليواجه خطراً أشد؛ حيث الشارع ساحة مفتوحة لغزوات الدراجات النارية المتهورة، التي تسير عكس الاتجاه وتستبيح الأرواح في غيابٍ تام لهيبة القانون وديمومة الردع.
إن الرصيف ليس مجرد حجارة، بل هو ميثاق اجتماعي غير مكتوب يضمن للضعيف مساحته أمام القوي. وحين ينتهك المواطن حق أخيه في رصيف آمن، يرتد السؤال غصة في الحناجر: هل كُتب علينا الخوف قَدَراً، أم أننا نحن من نُخيف ونظلم بعضنا بعضاً؟ إنه العقاب الجماعي الذي ننزله بأنفسنا حين نستسهل استباحة الأضعف، لنشترك جميعاً—ضحايا وجناة—في نسج بؤسنا.
لسنا نطالب بمشاريع خيالية، بل برصيف يحترم المشاة، وقانون يُهاب ويُطبق بلا استثناء أو محسوبية.
هذه ليست شكوى خدمية، بل صرخة دفاع باسم كبير السن الحائر، والأم القلقة، وكل مواطن يرى في المشي امتحاناً يومياً للبقاء. بيروت المثقلة بالجراح لا تحتاج شعارات، بل تحتاج إلى رصيف دافئ يحمي خطوات المتعبين، وقرار يعيد للدولة هيبتها. وحين يصبح السير في عاصمتنا آمناً، سنعرف حينها فقط أن الوطن قد عاد يتسع لأحلامنا... لا لمخاوفنا.






