بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 حزيران 2026 12:00ص هناك معركة ربط المسار في لبنان

حجم الخط
د. جيرار ديب

قال الرئيس اللبناني، جوزاف عون، في مقابلة مع كريستيان أمانبور مع شبكة CNN الجمعة 5 حزيران الجاري، أن «الحلول العسكرية»، لن تجلب الأمن والسلامة للإسرائيليين الذي يعيشون في شمال فلسطين المحتلة. وأضاف عون إن حالة العداء بين إسرائيل ولبنان يجب أن تنتهي إلى الأبد.
هذا ووجّه عون انتقاداً نادراً لأمين عام حزب الله، نعيم قاسم، عقب رفض الأخير نتائج المفاوضات مع إسرائيل، قائلاً «اللبنانيون ليسوا شعب نعيم قاسم»، فهل من قراءة يجب التوقف عندها؟
تصريحات الرئيس عون أتت بعد أن أعلنت الولايات المتحدة، الأربعاء 3 حزيران الجاري في بيان مشترك مع لبنان وإسرائيل عقب جولة المفاوضات المباشرة التي عقدت بينهما، «التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين على أن يكون مشروطاً بوقف كامل لإطلاق النار من جانب حزب الله وإخلاء عناصره من منطقة جنوب الليطاني».
«العبرة تبقى في التنفيذ»، رغم زحمة عرابي الاتفاق في كسب النقاط، ووسط حماسة النازحين للعودة إلى مناطقهم، وما رافق ذلك من دعوات متكررة من قبل الدفاع المدني من أجل التريث. إلّا أن الضبابية لم تزل تعتبر الحالة المسيطرة على الأجواء من واشنطن إلى بيروت، وإن آلية الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة الاستقرار تحتاج إلى إيضاحات من قبل المعنيين.
دخل لبنان بعد الثاني من أذار الماضي، يوم تبنّي حزب الله اطلاق الصواريخ الستة من لبنان على الشمال المحتل لفلسطين، نفق الحرب مع إسرائيل وتداخلت على شكل سريع في أجوائه إضافة إلى الصواريخ والمسيّرات كثرة التحليلات التي دفعت البعض منها إلى ربط لبنان بمحاور الصراع. في الوقت الذي سارعت الدولة في لبنان التأكيد على استقلالية وسيادة القرار في لبنان، عمد الثنائي الشيعي إلى رفض إلى رفض نتائجها، إذ تعمّد رئيس مجلس النواب، نبيه بري إلى وصفها بـ«الافاق الهجين والمفخخ»، مشيراً إلى أن بنوده جائرة ولا تلبّي المطلب اللبناني الأساسي.
«إلى الدولة اللبنانية»، هكذا ردّت سفيرة لبنان في واشنطن، ندى حمادة معوض، على سؤال الصحافيين حول الفضل في إنجاز الاتفاق رغم عدم توضيحها الآلية التنفيذية لتلك البنود. إذ لم يزل الإسرائيلي يضرب في الميدان، ومسؤوليه يطلقون العنان لتهديداتهم بقصف الضاحية، وكأن السؤال الأبرز لا يرتبط بمن علينا توجيه شكر إنجاز وقف الحرب، بل ماذا بعد هذه الجولة؟ هل من انقسام لبناني - لبناني؟
لم يعد أمام الولايات المتحدة، إذا كانت جادّة فعلًا في سعيها إلى تثبيت الاستقرار في لبنان ومنع انزلاقه مجدداً إلى دوامة الحروب المفتوحة، سوى خيارين: الأول، ممارسة المزيد من الضغط على رئيس الحكومة الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، لإلتزام بمقرارات الاتفاقية، لأنّ الاستمرار في قصف المناطق اللبنانية يقوّض جهود عمل الجيش في الانتشار ويعزز سردية الحزب بأهمية الإبقاء على السلاح.
الثاني، يتمثل في الاستثمار الجديّ في المؤسسة العسكرية اللبنانية، من خلال تسليح الجيش وتعزيز قدراته البشرية واللوجستية والتقنية، ليصبح المرجعية الأمنية الوحيدة القادرة على بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
مطلب ليس بتعجيزي لكنه يتطلب إرادة حقيقية من قبل المعنيين، فوجود جيش قوي لا يضمن فقط عدم التموضع لعناصر الحزب في المناطق المتفق عليها، لكنه يعزز الثقة لدى المواطن بمؤسسته العسكرية وهذا ما يحتاجه تحديداً إبن الجنوب.
صورة أشبه ب»السوريالية» تلك التي خرج بها الوفدين من نيويورك، والتي اعطت انطباع أن كل شيء سيكون جميلاً. لكنّ الحزب عبر أمينه العام، كان واضحاً في رفضه الاتفاق إذ لا يريد أن يُسجَل أي إنجاز هو خارجه. فهذا إن دلّ على شيء، فعلى إن الحزب وخلفه الإيراني سيكونان خارج أي المعادلة، بعدما خرجت تسريبات إعلامية تؤكد الدور الفعّال للمملكة العربية واتصالاتها المكثقة مع الإدارة الأميركية لوقف الحرب.
لا يرتبط الفضل باتصالات المملكة فقط، إذ إن لدولة قطر دور فعّال في إرساء الاستقرار، بعدما شدّد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الثلاثاء 2 حزيران، في اتصال هاتفي مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على ضرورة تغليب الحلول السياسية والدبلوماسية والحوار بين مختلف الأطراف.
هي لغة الدبلوماسية والدعوة إلى الاستقرار الذي طالب بها عون من ستحدد سياق المرحلة المقبلة، وإن الحزب الذي لا خيارات لديه سوى الانخراط في مفهومية الدولية أو الانزلاق اللاطوعي إلى اقتتال الإخوة. فبالنسبة إلى السلطة فإن بناء الدولة والحفاظ على حضورها يبقى هو الطريق الأمثل لإفشال مشروع نتنياهو، الذي يهدف إلى ضرب الكيانات وتحويلها إلى كيانات طائفية متصارعة ومتنازعة. 
أمام الواقع التعقيدي بين اتفاقيات هشّة، وميدان مشتعل على الجبهتين الداخلية والخارجية، تبقى الضرورة إلى دور عربي ضاغط. فمرحلة ما بعد احتواء التصعيد تبقى الأهم لأنها ستعيد تجديد الجدل حول طبيعة مراكز النفوذ وصنع القرار في لبنان، بين الدولة ذات العمق الاستراتيجي العربي لها، والثنائي ذات البُعد الإيراني، فهل سينقذ الموقف العربي لبنان من الوقوع في فخ الاقتتال الداخلي؟