بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 حزيران 2026 12:00ص مطار القليعات.. إنجاز على مستوى الوطن

حجم الخط
في زمن يبحث فيه لبنان عن مشاريع قادرة على إعادة الثقة بالاقتصاد الوطني واستنهاض المناطق التي عانت طويلاً من التهميش، يبرز مشروع إعادة تشغيل مطار رينيه معوّض في القليعات كواحد من أهم المشاريع الاستراتيجية القادرة على إحداث تحوّل اقتصادي وإنمائي حقيقي، ليس فقط في عكار والشمال، بل على مستوى لبنان بأسره.
فالاقتصاد الحديث لا يقوم على المراكز التقليدية وحدها، بل على توزيع فرص النمو والاستثمار على مختلف المناطق. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة الحياة إلى مطار القليعات تمثل خطوة عملية نحو تحقيق الإنماء المتوازن الذي نص عليه الدستور اللبناني وطالما انتظرته المناطق الطرفية.
تتمتع منطقة عكار بمقومات اقتصادية واعدة، من الأراضي الزراعية الخصبة إلى الموارد البشرية الشابة والموقع الجغرافي المميّز. إلّا أن غياب البنية التحتية المناسبة حدّ من قدرتها على استقطاب الاستثمارات وتحويل إمكاناتها إلى فرص فعلية للنمو. وهنا تكمن أهمية المطار، الذي يمكن أن يتحوّل إلى بوابة اقتصادية جديدة تربط الشمال بالأسواق الإقليمية والدولية.
إن تشغيل المطار سيفتح الباب أمام استثمارات واسعة في مجالات النقل والشحن والخدمات اللوجستية والسياحة والصناعات الغذائية والزراعية، كما سيساهم في تسهيل تصدير المنتجات اللبنانية إلى الأسواق الخارجية بسرعة وكفاءة أكبر. وستنعكس هذه الحركة الاقتصادية على مختلف القطاعات الإنتاجية والخدماتية، ما يؤدي إلى خلق فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لآلاف الشباب اللبنانيين، ويحدّ من الهجرة التي تستنزف طاقات المنطقة منذ عقود.
ولا تقتصر أهمية المشروع على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى البُعد الوطني والاستراتيجي. فوجود مطار ثانٍ عامل في لبنان يعزز قدرة البلاد على مواجهة التحديات والأزمات، ويؤمّن مرونة أكبر في حركة النقل الجوي، ويخفف الضغط عن مطار رفيق الحريري الدولي، بما ينسجم مع متطلبات التنمية الحديثة والأمن الاقتصادي.
لكن نجاح هذا المشروع لا يعتمد على تشغيل المدرج واستقبال الطائرات فقط، بل على بناء رؤية اقتصادية متكاملة حوله. فالمطارات الناجحة في العالم ليست مجرد نقاط عبور للمسافرين، بل محركات للتنمية ومراكز جذب للاستثمارات والصناعات والخدمات. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إنشاء بيئة استثمارية متكاملة في محيط المطار، تشمل مناطق لوجستية ومراكز تخزين ومشاريع صناعية وسياحية وتجارية قادرة على تعظيم العائد الاقتصادي للمشروع.
وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري للمؤسسة العامة لتشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال)، التي تستطيع أن تكون شريكاً أساسياً في تحويل مطار رينيه معوّض إلى منصة استثمارية متكاملة. فمن خلال إعداد الدراسات الاستثمارية والترويج للفرص المتاحة واستقطاب المستثمرين المحليين والأجانب، يمكن لإيدال أن تساهم في بناء منظومة اقتصادية جديدة تجعل من الشمال مركزاً جاذباً للاستثمار والإنتاج.
إن إعادة تشغيل مطار رينيه معوّض ليست مشروعاً مناطقيّاً ولا مطلباً محلياً فحسب، بل فرصة وطنية بامتياز. وإذا ما أُحسن استثمار هذه الفرصة ضمن رؤية اقتصادية واضحة وشراكة فعّالة بين القطاعين العام والخاص، فقد يصبح المطار نموذجاً ناجحاً لكيفية تحويل البنية التحتية إلى محرك للنمو وفرصة لإعادة إطلاق الاقتصاد اللبناني على أسس أكثر توازناً واستدامة.
اليوم، يقف لبنان أمام فرصة نادرة. والمطلوب ألا يُنظر إلى مطار القليعات كمرفق للنقل الجوي فقط، بل كبوابة للتنمية والاستثمار والأمل، وقصة نجاح جديدة يحتاجها اللبنانيون في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى.

* رئيس مجلس الإدارة - المدير العام
مؤسسة تشجيع الاستثمارات في لبنان (إيدال)