تنسكب ألوان الفنان الفرنسي أفريقي جان مارك أوتيوني Jean-Marc ottioné لترتسم الملامح من عنف ضربات ريشة تريد العودة للجذور في العصر الحديث، فالأسلوب ينتمي إلى التعبيرية التجريدية التي تقتحم البصر بعيداً عن الانفعالات، فاللون عند جاك مارك أوتيوني هو أداة هجوم فني إن صح لي قول ذلك فالأصفر يحتل الجبهة والأنف، كوميض داخلي وكأنه عبر اللون الأخضر يضعنا أمام الأقنعة الأفريقية القديمة المصنوعة من الألوان على الوجوه أو حتى من النباتات، وتتميّز ريشته بضربات سريعة، حادّة، متقاطعة، تنقيط، تقطير، خدش، فسطوح لوحاته مشحونة بطاقته الفنية، وكأنه يشتبك بين البدائي والراهن، ليخلق نوعاً من القناع لطقوس يعيد مجدها عبر الفن أو حتى ربما قناع الغضب المعاصر. فهل يرمز هذا إلى تشوّه الهوية في زمن العنف؟ أم هو احتفال همجي بالحياة؟ وهل المحور العامودي الذي يقسم الوجه نصفين (خط الأنف) يخلق نوعاً من التماثل التقريبي في العينين والكتلتين الجانبيتين؟
يركّز جان مارك على الوجه أو الأقنعة لكنها في كل الأحوال تمثل نظام يذكّرنا رغم كل الفوضى اللونية بالبنية المعمارية، فالأسنان مستطيلات متجاورة لها إيقاعها الجاذب بصرياً، مما يعيدنا إلى تراث الأقنعة الأفريقية التي تعتمد على مفهوم القوة أو الطاقة الكامنة في الشكل، رغم أن أعماله تنتمي إلى المناخ الفني التعبيري المعاصر القريب من التجريد الغربي الحديث أي أن التشابه بصري وروحي، لكنه ليس بالضرورة انتماء ثقافي مباشر مع قدرته على التراكيب اللونية ليعطي إحساساً بالزمن، وكأن كل لوحة مرّت بعدة حالات شعورية كالأخضر النيوني في بعض لوحاته الذي يرمز إلى الاختلال أو التوتر العصبي. فهل كل هذا ليجعل الأقنعة متكسرة؟يُجبر جان مارك أتيونيه المتلقي على مواجهة فوضى الألوان الداخلية، لتفكيك الإدراك، فهو يعتمد على الانفعال قبل العقل، لكنه في الوقت نفسه مبني بوعي عالٍ لعناصر التكوين، اللون، والحركة مما يجعل أعماله تحت عنوان تجربة بصرية ونفسية مكثفة. فالوجوه في معرضه تتغيّر كما تتغيّر حالات المادة تحت تأثير الطاقة، حيث يختزل الوجه إلى رموز وقوى تعبيرية، فيضخّم الملامح لتصبح حوامل لمعنى روحي أو جماعي، وكأنه يعيد استدعاء الذاكرة البصرية الأفريقية فيما يُسمى فن ما بعد الحداثة، فهل ما توحيه لنا لوحاته هي أشكال، أم أثر لقوى غير مرئية تتصارع عبر الألوان؟ وإذا كان الوجه قد تفكك إلى طاقة وخطوط واحتمالات، فهل ما تبقّى هو هوية، أم مجرد معادلة مفتوحة لا تبحث عن حل بقدر ما تطرح أسئلة؟
المزج الثقافي فنيا واضح في أعماله التي نشعر أنها هجين بين عالمين، فالألوان هي أرشيف بصري للانتماء، فلوحاته تعيد تعريف الجذر ليس كأصل ثابت بل كقوة حيّة تتوزع في الوجه واللون والحركة، حيث يتحوّل الوجه إلى قناع يحمل ذاكرة جماعية، ويصبح كل عنصر بصري أثراً مباشراً لصراع بين الأصل والتحوّل. فهل نحمل جذورنا أم نحن عالقون فيها؟ وهل العودة إلى الجذر تعني الأصالة أم تعني الهروب من الحاضر؟
يشعر المتلقّي أن العين البشرية في لوحاته تبحث عن نمط لتتعرّف. اللوحة تمنحها الحد الأدنى من تماثل، عينان، فم. لكنها تسحب البساط فوراً عبر ألوانٍ غير متوقعة وتبايناتٍ قاسية. هذا التوتر بين التعرف والاغتراب يخلق صدمة إدراكية. إذ نتأمّل وجهاً، لكننا لا نطمئن إليه. والصدمة البصرية الناتجة عن قوة الألوان ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لإعادة التفكير في ماهية الوجه. هل هو مجموع ملامح؟ أم طاقة تتجسّد؟ حين تتشوّه الملامح، هل تتشوّه الهوية أم تنكشف؟ وهل القبح شكلٌ من الصدق؟
الجمال في لوحاته ليس تناغماً هادئاً، بل شدّة. إنه جمال الطاقة، جمال المواجهة. والهوية المهددة التي لا تُنقذها الزخرفة؛ بل ينقذها الاعتراف بجرحها. فإذا كانت اللوحة مختبراً لتفاعل لوني، فهي أيضاً مرآة لتفاعل اجتماعي. الألوان القوية قد تشير إلى عصرٍ مُشبَع بالضوء الصناعي، بالتلوث البصري، بالتسارع. السواد العميق قد يرمز إلى فراغاتٍ داخلية لا تملؤها الشاشات. الأسنان المعمارية قد تلمح إلى نظامٍ يقضم الفرد. فهل نتعلم بعد تأمّل لوحاته أن ننظر إلى الملامح لا كحدود، بل كقوى؟ وأن نفهم الهوية لا كقناعٍ نهائي، بل كتفاعلٍ مستمر؟