بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 حزيران 2026 12:45ص إسرائيل وإيران.. تقاطعات تحت مظلة ترامب

حجم الخط
تجاوزت إسرائيل أول من أمس الحظر الأميركي، فأغارت بطائراتها على الضاحية الجنوبية لبيروت معلًلة ذلك بمهاجمة غرفة عمليات لحزب الله وبتكريس معادلة الضاحية مقابل شمال إسرائيل. إسرائيل التي سبق أن قبلت مرغمةً بنتائج الجولة التفاوضية الأخيرة مع لبنان، أرادت من خلال الهجوم استبدال هجماتها التدميرية للضاحية الجنوبية بابتكار قاعدة إشتباك جديدة تقضي بمهاجمة ما أسمته الأهداف الدقيقة التابعة لحزب الله، ودائماً تحت سقف الحظر الأميركي. لكن إيران رأت في الهجوم على الضاحية إمعاناً في الإستثمار الإسرائيلي في فصل المسار اللبناني عن طاولة التفاوض مع واشنطن، كما رأت فيه فرصة سانحة لإحياء التواصل لإحياء وحدة الساحات مع الميدان اللبناني، إن لم يكن من قبيل التكافؤ مع إسرائيل في القفز فوق القرار الأميركي فبالمشاركة الميدانية والتأكيد على العلاقة العضوية مع الحزب.
نفذت طهران تهديدها بعد ساعات قليلة على الهجوم وبلغت صواريخها البالستية شمال إسرائيل ووسطها مستهدفة قاعدة «رامات دافيد» الجوية الإسرائيلية، وأكد الحرس الثوري أن الهجوم جاء رداً على ما وصفه بـ»عدم التزام» الولايات المتحدة وإسرائيل بتعهداتهما المتعلقة بوقف إطلاق النار، وأن قبول إيران بوقف إطلاق النار كان مشروطاً بـ«هدنة على جميع الجبهات». دوت صفارات الإنذار وتعاملت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي مع الصواريخ بنجاح بحيث بدا أن نتائج الرد الإيراني لم تكن أفضل بكثير من الهجوم الإسرائيلي الذي سبقه. 
إعتقدت إيران أنها أنقذت بعضاً من ماء الوجه أمام حزب الله دون مخاطرة التورط في مواجهة أكبر مع الولايات المتحدة، لكن اللبنانيين برمّتهم كانوا مدركين أن إيران التي لم تقوَ على التدخل لوقف العدوان على الجنوب ــــ بعد إصرارها على شمول لبنان بوقف إطلاق النار مع واشنطن ــــ لن تكون أكثر قدرة على تجاوز إرادة واشنطن لوقف الهجمات على الضاحية. هذا وقد عبرت مواقف الرئيس ترامب حيال الهجوم الإسرائيلي كما الرد الصاروخي الإيراني عن فوقية واضحة في التعامل مع الفريقين، سواء لجهة التدخل لعدم توسيع نطاق التصعيد ودعوة نتنياهو لعدم الرد، أو بالتوجه لإيران عبر شبكة فوكس نيوز :«لقد أطلقتم صواريخكم.. هذا يكفي»، مضيفا أن ما أقترحه على إيران هو «العودة إلى طاولة المفاوضات وإبرام اتفاق».
لكن وبالرغم من تجدد الهجمات يوم أمس والتي طالت  مجمع البتروكيماويات في ماهشهر بجنوب غرب إيران وأهداف أخرى في طهران وتبريز وأصفهان، لم يخرج الموقف عن السيطرة الأميركية. فمقابل كل ما تمّ بناؤه على توسّع الحرب توقفت الهجمات بين إيران وإسرائيل بالطريقة عينها التي حصلت في 24 حزيران 2025 حين أعلن الرئيس ترامب عن اتّفاق لوقف إطلاق نار «كامل وشامل» بين إسرائيل وإيران، في خطوة تهدف إلى إنهاء الحرب التي استمرت 12 يوماً. فمقابل تذكير الرئيس ترامب خلال الهجمات المتبادلة بأن واشنطن قريبة من التوصل لاتّفاق مع إيران كان الناطق بإسم الخارجية الإيراني اسماعيل بقائي يؤكد من جهته أن المباحثات مع الولايات المتحدة والهادفة لوضع حد للحرب تتواصل عبر الوسيط الباكستاني رغم التصعيد وتبادل الضربات مع إسرائيل.
في محصلة المواجهات خرجت كلّ من إيران وإسرائيل بانتصار لفظي ساقته كلّ منهما على مقاسها. فبعد ليلة من المواجهات لم تفض لأي نتيجة، أعلن مقر خاتم الأنبياء وقف عمليات القوات المسلحة ضد إسرائيل مع التأكيد أنها «وجّهت رداً مؤلماً للكيان الصهيوني على اعتداءاته في جنوب لبنان واستمرار عملياته العدوانية في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت،  وتبع ذلك تأكيد نتنياهو بوقف تل أبيب هجماتها على إيران، ولكن ليس في جنوب لبنان، وإن النظام الإيراني تراجع عن مهاجمة إسرائيل بعد الرد عليه. 
لقد شكلت الساحة اللبنانية لساعات مساحة تقاطع بين الطموحات الإسرائيلية والإيرانية على حدّ سواء.  لقد سعت اسرائيل إلى استدراج إيران الى حرب مفتوحة تفضي الى تدخّل اميركي لمساندة إسرائيل مما يعطل مسار التفاوض ويعيد إسرائيل الى واجهة المشهد كشريك للولايات المتحدة  كما يعيد لطهران رهانها على وحدة الساحات والتحكم من جديد بالمسار اللبناني. لكن الحقيقة أن ليلة المواجهات الإيرانية الإسرائيلية قد قدّمت دليلاً قاطعاً أن كلّ أوراق التسويات المرتقبة أضحت في حوزة واشنطن. فبالإضافة إلى وضعية الإصطفاف والتبعية التي تخضع لها اسرائيل، نجحت واشنطن في ترويض طهران ومصادرة أوراقها التفاوضية أو إفقادها الفعالية، بعد تحويل التحكم بمضيق هرمز إلى حصار مطبق على الموانئ الإيرانية وتحويل أزمة الطاقة إلى رافعة إقتصادية للولايات المتحدة  وتحويل قسم من الأرصدة الإيرانية المجمدة إلى مصادر لتعويض خسائر دول الجوار الإيراني التي تضررت بالحرب، ناهيك بالملف النووي الذي يشكل مدخلاً لكل التسويات وإلزاماً أميركياً لا يمكن التنازل عنه. 
فهل نجح ترامب في احتواء التقاطعات الإسرائيلية الإيرانية تحت مظلته؟ 

* مدير المنتدى الإقليمي للدراسات والإستشارات