مع دخول الجبهة اللبنانية طرفاً أساسياً في الحرب بين إيران وإسرائيل، وهو ما أكد عليه الحرس الثوري الإيراني، بعد تبادل القصف الصاروخي بين طهران وتل أبيب، فإن إيران تستميت لإبقاء الورقة اللبنانية بيدها، رداً على مواقف رئيس الجمهورية جوزاف عون المنتقدة للدور الإيراني في لبنان . وهو أمر يرفضه لبنان، ولا يمكن أن يقبل به تحت أي اعتبار . وهذا ما تم إبلاغه للولايات المتحدة عبر سفيرها لدى بيروت ميشال عيسى، بأن لبنان يرفض أن يكون ورقة بيد إيران أو غيرها، انطلاقاً من حرصه على قراراته السيادية، سيما ما يتعلق بالمفاوضات التي قرر خوضها مع إسرائيل، سعياً لوقف عدوانها المتمادي على الأراضي اللبنانية، وبما يدفعها إلى الانسحاب من جميع الأراضي الجنوبية التي لا تزال تحتلها . رغم أن بيروت تنظر بتفاؤل حذر إلى النتائج التي أفضت إليها جولة المفاوضات الأخيرة مع إسرائيل، بدليل استمرار الغارات والاستهدافات الإسرائيلية، وآخرها القصف الذي تعرضت له الضاحية الجنوبية لبيروت، وما أعقب ذلك من اشتعال للجبهة الإيرانية الإسرائيلية .
وعلى خطورة تجدد المواجهات الإيرانية الإسرائيلية، فإن لبنان ماض في خياره التفاوضي، من أجل العمل على تثبيت وقف إطلاق النار، وإن كان "حزب الله" رفض اتفاق وقف النار الأخير الذي أعلن عنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب . وإذ أشارت مصادر رئاسية إلى أن النتائج حتى الآن تبدو مشجعة، ولو نسبياً، فيما يأمل لبنان أن يلتزم الجانب الإسرائيلي بالاتفاق الذي تم التوصل إليه، مشددة على أن لبنان سيعمل على ضمان استمرار هذا الاتفاق، فيما تعهدت الإدارة الأميركية القيام بالجهود اللازمة لجعل إسرائيل تلتزم بما تم التوافق عليه، لضمان تسهيل استمرار عملية التفاوض التي يريد لبنان من خلالها، التوصل إلى الزام الاحتلال بوقف لإطلاق النار على نحو شامل، والحصول على تعهد من جانبه للانسحاب من جميع الأراضي المحتلة في الجنوب . باعتبار أن استمرار الجانب الإسرائيلي بخرق ما تم التوافق عليه، لن يساعد مطلقاً على إيصال المفاوضات إلى نتائجها المرجوة .
واعتبرت الأوساط الرئاسية، أن تجارب التفاوض مع إسرائيل لم تكن مشجعة في الكثير منها، لكن في المفاوضات الجارية حالياً، فإن لبنان أكثر إصراراً على التمسك بمطالبه كاملة، باعتبار أنه لن يكتب لهذه المفاوضات النجاح، إلا إذا التزمت إسرائيل بتنفيذ ما هو مطلوب منها . ويأتي في مقدمة هذه المطالب، وجوب تقيدها بوقف إطلاق النار الشامل، وأن تتعهد في المقابل بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية. وأضافت، لقد أبلغ الوفد اللبناني الراعي الأميركي أنه لن يقبل بأقل من وقف النار، وإقرار إسرائيلي واضح وصريح بالانسحاب من كل المناطق اللبنانية المحتلة في الجنوب . وعلى هذا الأساس يضع لبنان نصب عينيه تحقيق هذين الهدفين بشكل أساسي، من ضمن قائمة أهداف تم وضعها على طاولة المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي برعاية الأميركيين .
وفيما تتجه الأنظار إلى تداعيات عودة المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل الأميركية الإيرانية، على نتائج المفاوضات الإيرانية الأميركية، بعد حديث الرئيس ترامب عن قرب التوصل لتوافق على مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، إذا قيض لهذه المحادثات أن تنجح، فإن مصادر معارضة ل"حزب الله"، لا زالت على موقفها المشكك في إمكانية التزام الأخير بما تم التوافق عليه، باعتبار أن إيران لا زالت تعمل على الإمساك بورقة التفاوض اللبنانية، وهي لن تقبل بسحب هذه الورقة منها. وهذا يعني أن "حزب الله" ليس من مصلحته أن يلتزم بوقف النار، طالما أن إيران لا تريد ذلك، ما يعني أن مخاطر انهيار اتفاق وقف النار ستبقى واردة في أي لحظة، متى أرادت طهران ذلك . وهذا ما سيترك تداعيات خطيرة على الداخل اللبناني، وعلى المفاوضات برمتها . في ظل استمرار التشكيك بإمكانية خروج الدخان الأبيض ، نتيجة عملية التفاوض المعقدة الدائرة بين واشنطن وطهران، ما سيكون لهذا الأمر انعكاسات سلبية على الجبهة اللبنانية.