بيروت - لبنان

اخر الأخبار

9 حزيران 2026 12:20ص التصعيد الإسرائيلي والحسابات الإيرانية

حجم الخط
لم يكن التصعيد الإسرائيلي المفاجئ ضد الضاحية الجنوبية لبيروت، وما تلاه من رد إيراني مباشر وغير مباشر على مستويات متعددة، مجرد حلقة إضافية في مسلسل المواجهة المفتوحة في المنطقة، بل جاء ليكشف مجدداً حجم الترابط بين الساحات التي تحاول القوى الإقليمية والدولية توظيفها في معارك التفاوض الجارية. فلبنان الذي كان يأمل أن يشكل وقف إطلاق النار الهش مدخلاً إلى مرحلة من التهدئة تمهد للإنسحابات وعودة النازحين وإعادة الإعمار، وجد نفسه مرة أخرى رهينة حسابات تتجاوز حدوده ومصالح شعبه.
في هذا السياق، بدا الرد الإيراني على القصف الإسرائيلي للضاحية الجنوبية أكثر من مجرد تضامن سياسي أو معنوي مع حزب الله  كحليف استراتيجي. فقد حمل في طياته رسالة واضحة مفادها أن الورقة اللبنانية لا تزال جزءاً من عناصر القوة التي تسعى طهران إلى الاحتفاظ بها على طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة. ومن هنا يمكن فهم الإصرار الإيراني على الربط بين المسارين اللبناني والإيراني وأي تفاهمات إقليمية أو دولية أوسع، باعتبار أن التخلي عن هذه الورقة في هذه المرحلة يعني خسارة أحد أبرز عناصر النفوذ التي راكمتها إيران خلال العقود الماضية.
لكن هذا السلوك لا يرتبط فقط بحسابات التفاوض الخارجية، بل يتصل أيضاً باعتبارات داخلية تتعلق بالبيئة الشيعية التي دفعت أثماناً باهظة نتيجة الحروب المتلاحقة، وآخرها حرب «إسناد إيران». فالمناطق التي تعرضت للدمار والخسائر البشرية والاقتصادية تحتاج إلى إجابات سياسية مقنعة بقدر حاجتها إلى مشاريع إعادة الإعمار والتعويضات.  
في المقابل، وجد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في هذا التصعيد فرصة لإعادة خلط الأوراق. فالرجل الذي ينظر بقلق إلى أي تقارب محتمل بين واشنطن وطهران، يدرك أن نجاح المفاوضات الأميركية الإيرانية قد يفرض وقائع جديدة لا تنسجم مع رؤيته للأمن الإقليمي، سواء في الملف النووي أم بالنسبة للصواريخ البالستية. ولذلك يبدو حريصاً على إبقاء منسوب التوتر مرتفعاً، سواء في لبنان، أو في المواجهة المباشرة مع إيران، بما يضع العراقيل أمام أي تفاهمات مع واشنطن  يمكن أن تؤدي إلى تخفيف حدة الصراع، وتكون تل أبيب بعيدة عنه.
غير أن حسابات نتنياهو تصطدم هذه المرة بإرادة أميركية مختلفة نسبياً. فالرئيس دونالد ترامب، الذي تدخل سريعاً لوقف دوامة القصف المتبادل «فورا»، يدرك أن أي انفجار واسع النطاق قد ينسف الجهود الدبلوماسية التي تبذلها إدارته لإنهاء الحرب مع إيران، وإعادة الحركة الطبيعية إلى مضيق هرمز، بعد معالجة الملف النووي طبعاً.
وبين الرغبة الإيرانية في التمسك بالورقة اللبنانية، والمسعى الإسرائيلي لإفشال أي تقارب أميركي إيراني، تبقى المصلحة اللبنانية الحقيقية في فك الارتباط بين مصير البلاد وصراعات الآخرين، وتحويل وقف إطلاق النار من هدنة مؤقتة قابلة للانهيار، إلى فرصة جدية لاستعادة الدولة لدورها، عبر المفاوضات الجارية في واشنطن لتأمين الإنسحابات الإسرائيلية وعودة اهالي الجنوب إلى قراهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار.