إسرائيل تسعى لتحويل مساحات واسعة من الجنوب إلى مناطق فاقدة لمقوّمات الحياة
ما يشهده جنوب لبنان في هذه الآونة ليس مجرد خروقات أمنية أو اعتداءات عسكرية إسرائيلية يومية، بل بات يعكس تحوّلاً نوعياً في طبيعة المواجهة، عنوانه فرض وقائع جديدة على الأرض تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة. فعمليات الهدم والتجريف الواسعة التي تطاول مدينة بنت جبيل وقرى قضائها، وتمتد إلى أقضية مرجعيون والنبطية وصور، توحي بأن الهدف لم يعد يقتصر على تدمير منشآت أو إزالة بنى تحتية، بل يتجه نحو إعادة صياغة المشهد الحدودي برمته، بما يحوّل مساحات واسعة من الجنوب إلى مناطق فاقدة لمقومات الحياة، ويجعل عودة سكانها واستقرارهم فيها مهمة شاقة، إن لم تكن مستحيلة.
فالدمار الذي تخلّفه الجرافات الإسرائيلية لا يقاس بعدد المنازل التي سوّيت بالأرض أو الطرقات التي قطعت أو المرافق التي خرجت من الخدمة، بل بما يتركه من أثر عميق في نفوس الناس في المناطق المستهدفة، الذين تعتبر القرية بالنسبة لهم ليست مجرد أبنية، بل ارتباط متكامل بألأرض ومصدر الرزق والذاكرة والتاريخ.
من هنا جاءت مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري مطلع هذا الأسبوع لتتجاوز حدود الإدانة السياسية العادية، إذ وصف ما يجري بأنه عملية تدمير ممنهجة تهدف إلى تحويل مناطق واسعة من الجنوب اللبناني إلى بيئة غير قابلة للحياة. وهذا التوصيف لا يحمل بُعداً إعلامياً فحسب، بل يعكس قراءة سياسية تعتبر أن ما يحصل هو محاولة لفرض واقع جغرافي وديموغرافي جديد، تكون نتائجه أبعد بكثير من حدود العمليات العسكرية الراهنة، ليطال مستقبل المنطقة وحدودها السكانية والاقتصادية لسنوات طويلة.
وتكمن خطورة هذا المسار في أنه يقوض الأساس الذي يفترض أن تقوم عليه أي ترتيبات أمنية أو سياسية بين لبنان وإسرائيل. فلا يمكن الحديث عن استقرار في وقت تستمر فيه عمليات الهدم والنسف والتجريف، ولا عن تهدئة فيما يشعر آلاف المواطنين بأن قراهم تتحول تدريجياً إلى مناطق منكوبة. فالاستقرار لا يقاس بغياب إطلاق النار وحده، وإنما بقدرة السكان على العودة إلى منازلهم، واستئناف حياتهم الطبيعية، وإعادة بناء دورة اقتصادية واجتماعية تكفل لهم البقاء في أرضهم.
ولعلّ أخطر ما تفرزه هذه الوقائع هو أنها تضع اتفاق الإطار الذي جرى التوصل إليه في واشنطن أمام امتحان بالغ الصعوبة. فهذا الاتفاق، الذي قُدِّم باعتباره مدخلاً لخفض التوتر ومنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، يصطدم اليوم بواقع ميداني يناقض روحه وأهدافه. فالاتفاقات السياسية لا تستمد قوتها من النصوص وحدها، بل من التزام الأطراف بتنفيذها على الأرض. وعندما تستمر عمليات التدمير بوتيرة متصاعدة، فإنها تفرغ أي تفاهم من مضمونه، وتجعله أقرب إلى وثيقة سياسية تفتقد القدرة على إنتاج الاستقرار الذي قامت من أجله.
ومن هنا، فإن تحذير الرئيس بري لا يقتصر على مستقبل الجنوب، بل يمتد إلى مستقبل المسار السياسي برمّته، فاستمرار هذه السياسة يهدّد بإسقاط الثقة بأي تفاهم قائم، ويعيد تكريس منطق القوة بديلاً عن منطق الالتزام بالاتفاقات، كما أن غياب الموقف العربي والدولي الحازم لوقف عمليات التدمير قد يُفسَّر على أنه تسليم بالأمر الواقع، أو على الأقل عجز عن منعه، وهو ما يمنح إسرائيل هامشاً أوسع للاستمرار في فرض وقائع جديدة على الأرض.
وفي المقابل، تبدو الدولة اللبنانية أمام اختبار لا يقلّ أهمية، فالمطلوب لا يقتصر على توثيق الاعتداءات ورفع الشكاوى أمام المؤسسات الدولية، رغم أهمية ذلك، وإنما يتطلب تحرّكاً دبلوماسياً وسياسياً واسعاً يضع المجتمعين العربي والدولي أمام مسؤولياتهما. فالمعركة لم تعد معركة بيانات استنكار، بل معركة حماية حق الناس في البقاء على أرضهم، ومنع تحويل الجنوب إلى منطقة فارغة من اهلها بفعل الدمار وانعدام مقومات الحياة.
وتزداد أهمية هذا التحرك إذا ما أُخذ في الاعتبار أن الجنوب اللبناني لا يمثل مجرد شريط حدودي، بل يشكّل ركناً أساسياً من البنية الوطنية اللبنانية، بما يحمله من رمزية تاريخية وثقل اجتماعي واقتصادي وسياحي، وأي تغيير ممنهج في طبيعته العمرانية أو السكانية ستكون له انعكاسات مباشرة على الداخل اللبناني، سواء من خلال اتساع موجات النزوح، أو زيادة الضغوط الاقتصادية، أو تعميق الأزمات الاجتماعية التي يعيشها البلد منذ سنوات.
من هنا تبدو الجرافات الإسرائيلية التي تعمل اليوم في الجنوب وكأنها تسبق السياسة بخطوات، فكل منزل يُهدم، وكل حي يُزال، وكل قرية تُفرغ من سكانها، يبتعد معه أفق الاستقرار، وتتراجع فرص نجاح أي مسار تفاوضي. ولذلك فإن الرسالة التي حملها موقف الرئيس نبيه بري تتجاوز حدود التحذير الآني، لتطرح سؤالاً مصيرياً: هل يريد المجتمع الدولي الحفاظ على اتفاق الإطار باعتباره مدخلاً للاستقرار، أم أنه سيترك الوقائع الميدانية تطيح به قبل أن يترسّخ؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل الاتفاق، بل سترسم أيضاً ملامح المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني. فإذا استمرت سياسة التدمير من دون رادع، فإن المنطقة ستكون أمام واقع جديد يصعب تغييره، وستتحوّل التسويات السياسية إلى نصوص بلا أثر، بعدما تكون الجرافات قد رسمت حدود المشهد الجديد فوق أنقاض القرى وذاكرة أهلها، فيما يبقى الجنوب يدفع، مرة جديدة، ثمن الصراع وثمن صمت العالم.






