مبدأ الإلتحاق أو الإرتباط بالدول ذات الطموحات التوسعية، أو بالمحاور الإقليمية أو الدولية، لم يعد صالحا للخدمة، لا في لبنان، ولا في أية دولة أخرى، قال لي صديقي. قلت له: أعطني دليلا على ذلك. قال: أنظر حولك: أين دول الناتو التي إنفرط عقدها لدى أول تجربة لها في إيران وفي أوكرانيا؟ وتابع يقول: أين محور دول الممانعة، الذي يكبر ويصغر مثل اللعبة الروسية؟ بل أين دول حلف وارسو، مما يجري تحت أعين العالم، في أفريقيا وأسيا والقارة الأميركية؟ أين دول البريكست؟ أين الأمم المتحدة وأين الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ وما هو مصير جلساتها ومقرراتها، منذ تأسيسها حتى اليوم؟ أين جامعة الدول العربية؟ وأين منابر ومجالس الدول الإسلامية؟ كلها صارت في خبر كان.
قال صاحبي: إنظر حولك جيدا، بلا دعاية وبلا ادّعاء: أين وحدة الساحات، وأين العاصمة الإقليمية الكبرى التي ترعاها؟ كلها نامت نومة الأخطبوط، بعين واحدة، نصف مغمضة ونصف مفتّحة.
تابع صديقي قائلا: من حق لبنان الذي أمضى قرنا من الذلّ، في التشبيح عليه، من هذا الجانب أو ذاك، ومن هذا المحور، أو من تلك الدولة الطموح للتوسعة في سيادتها وفي حدودها، أن يلتفت إلى ذاته، ما دام قد وجد نفسه أخيرا محاصرا. فهو في وقت الضيق، لم يجد له صديقا، بين جميع من ادّعوا الصداقة والصديق.
يقول وهو الأدرى بشؤون وشجون الجنوب، الذي يتقدم فيه الإحتلال يوما بعد يوم: ها هي القرى قد أصبحت رمادا. وها هي المدن وخصوصا ضواحيها، تتعرّض كل يوم للغارات الكثيفة التي تقطع الأنفاس، ولحملات الإخلاء، بحجة وجود المقاومة. وها هي سماء البلاد مستباحة، تماما كما بحره وشواطئه وحدوده، حتى بات لا يعرف الناس فيه، من أين تأتيه الإغارة، ولا بأي سلاح، ولا بأي تكتيك، يخوض حربا لا طاقة له عليها، يقتل فيها الشعب والقادة، ولا يجد من يلتفت إليه من الأصدقاء القدماء ولا من الأصدقاء الجدد، ولا من الأخوة و الأشقاء.. جعلتهم الحرب في الهمّ سواء.. يكرهون اليوم، ما يشقيهم غدا.
يذهب اليوم لبنان إلى العالم كله - يقول صديقي - ليشرح له وطأة الإحتلال، وليشرح له أيضا حاجته إلى السيادة والإستقلال وإلى وضع اليد عليه من هذه الدولة أو تلك. يريد إسقاط الأقنعة عن كل الوجوه المموّهة. ويريد أيضا، إسقاط الستارة التي يختبئ ورائها الحاوي والثعبان، وكذلك مرقّص الثعابين. يريد لأول مرة أن يقول للجميع، ها أنذا.. ولا يريد أن يقول: هذا أبي.
يعرف فخامة الرئيس، أية درب صعبة يسلكها، يقول صديقي. ولكن هي خطى كتبت علينا. ومن كتبت عليه خطى مشاها. يضع قدمه في الطريق إلى الإثبات الوطني. فأين الخطأ في ذلك ما دام لا يندّ عن الطريق؟!
يقول صديقي: لبنان أمضى عمره كله، رهين المحبسين: إسرائيل والقضية. وآن له أن يخرج إلى النور، فيقل ويستقل، بعد تعثّره طوال قرن من طلب السيادة والإستقلال. فهل تنجح الجهود الرئاسية، في وضع لبنان على السكة الصحيحة؟ لعلّ الطموحات مرهونة بخواتيمها، جرت به جميع الرياح، والآن يشير عليه، القائد والقائف باستطلاع ورقة المفاوضات المباشرة، لاستطلاع الإثبات الوطني، فقط الإثبات الوطني دون غيره، في حلكة أيامه القادمة...