رمزي ديشوم*
لا يمكن أن يكون النصر حليفاً دائماً لأحد في هذا الوجود، ولا حتى للأنبياء عليهم السلام، هذه حقيقة تُقرّها السنن قبل الوقائع، ويؤكدها التاريخ قبل الحاضر، من هنا اعتبر القادة والمصلحون الهزيمة مدرسةً تُستخلص منها العِبر، ومحطّة يجب الوقوف عندها للانتقال منها إلى غيرها، ولأنّ الحرب - خاصة في الصراعات الكبرى - دولٌ: يومٌ لك ويومٌ عليك، كانت تهيئة النفس اللهزيمة تعادل تهيئتها للنصر؛ بوصف كلٍّ منهما مرحلةً يجب أن تُستثمر.
ورغم قساوة الهزيمة ومرارتها، فإنها تصبح أقسى وأمرّ عند العجز عن الاعتراف بها، ومن ثم العجز عن التعلّم منها، حيث يشكّل ذلك هزيمةً مضاعفةً، يعمّقها ويديمها، يحدث ذلك حين تتدخّل الأيديولوجيات المطلقة لتعيد تعريف الواقع لا لفهمه، بل اللهروب منه، في هذا السياق، ينشأ ما يمكن تسميته بـ«الإنكار المؤدلج»: نمط تفكير لا يكتفي بتفسير العالم وفق رؤية مسبقة، بل يعيد تشكيل الوقائع ذهنياً لتتوافق معها.
هذا النمط من التفكير ليس جديداً، فقد تجلّى بوضوح في التجربة البلشفية، خصوصاً في عهد جوزيف ستالين، حيث قُدِّمت الإخفاقات بل حتى الكوارث الاقتصادية والإدارية بوصفها «تضحيات ضرورية» في طريق النصر الحتمي، الطريق الذي لا يُقبل فيه الخطأ بل يستحيل، وفي خدمة هذه «الأدلجة البلشفية» لم يجر تأميم المصانع والمزارع فقط، بل جرى تأميم الحقيقة نفسها، وتحويلها إلى وظيفة أيديولوجية.
ولم يلبث الفكر القومي العربي أن استلهم هذه الذهنية، فكرّر النتائج نفسها بالأسباب ذاتها، مع تغيير طفيف في المصطلحات، فسمّى الهزائم العسكرية القاسية «صموداً أسطورياً»، ووصف الانهيارات السياسية «بالمؤامرات الخارجية»، فانتهى إلى الهزيمة الكبرى عام 1967، ومع هذا لم يصِف الكارثة بحجمها، بل خُفّفها إلى «نكسة»، وزاد بعضهم فذهب إلى تسميتها «انتصاراً معنوياً»، حفاظاً على النظام «المقدس» من أن يمسّ، وعلى الأيديولوجيا «النهائية» من أن تطال.
خطورة هذه الذهنية لا تقف عند بُعدها الأخلاقي، بل تمتد إلى بعدها المعرفي؛ إذ تفقد الجماعات والأحزاب قدرتها على المراجعة والتعلّم، وتحوّل المجتمع إلى كتلة تُدار بخطاب تعبوي يعيد تعريف المفاهيم وفق الحاجة. في هذه اللحظة، تنفصل اللغة عن الواقع، وتتحول الشعارات إلى أقنعة كثيفة، ويتضخم «الأنا الجمعي» حدّ الاحتفال بأعظم الانتصارات، بينما يختبر في واقعه أعظم الخسارات.
الأخطر أن هذا النمط لم يبقَ حبيس التجارب البلشفية والقومجية، بل تسرّب إلى بعض دوائر الفكر الإسلامي المعاصر، خاصة الحركي منه، في صورة ما يمكن تسميته بـ«العصمة الحركية»، حيث تنتقل العصمة من النص إلى التنظيم، فلا تعاد تُقاس القرارات بميزان السنن والنتائج بل بمدى انسجامها مع الخطاب «الحركي» المعلن، وفي مقابل البناء القرآني القائم على ربط الأسباب بالنتائج، وعلى المراجعة الصريحة – «قل هو من عند أنفسكم» – يُقام البناء الحركي الفكري والإداري على منطق يبرر كل نتيجة سلفاً.
اليوم وفي ما يتعدّى «التعبئة الإيديولوجية» إلى ما يمكن تسميته «بالذهان الأيديولوجي» تبرز حالتا إيران وحزب الله كنموذجين متقدمين لهذا النمط من التفكير. فحين تتحوّل الخسائر الكبيرة إلى «إنجازات استراتيجية»، وتُقدَّم التراجعات بوصفها «إعادة تموضع»، ويُعاد تفسير كل ضغط خارجي باعتباره دليلاً على «صحة المسار»، نكون أمام حالة إنكار مؤدلج مكتملة الأركان.
في الحالة اللبنانيّة، حيث يدفع المجتمع كلفة الصراعات الإقليمية بأعلى الأثمان، يظهر هذا النمط بوضوح، فالانهيار الاقتصادي غير المسبوق، وتآكل مؤسسات الدولة، وتراجع مستوى المعيشة، وحالات التدمير المتكررة لوحدات اللبنانيين السكنية والاقتصادية، والتي لا يعاد بناؤها بأموال ومدخرات اللبنانيين، أو بأموال ومعونات الداعمين، حتى يعاد تدميرها مرةً أخرى، بوحشية الإسرائيليين، وسوء حسابات وتقدير «المقاومين»، واستغلال وتوظيف من «الحلفاء الإيرانيين»، والتي بلغت أخيراً حد الكارثة الكبرى، باحتلالٍ وتدميرٍ كليٍّ أو جزئيٍّ لعشرات القرى الجنوبية، وآلاف الوحدات السكنية والاقتصادية في المدن والقرى اللبنانية، كلها تُفسَّر ضمن سرديات كبرى عن «الصمود» و«المواجهة»، دون مراجعة جدّية للسياسات والخيارات.
أما في الحالة الإيرانية، فتتجلّى المفارقة في الجمع بين خطاب النصر الدائم وتراكم الأزمات الداخلية: من الاقتصاد إلى البيئة إلى الاحتجاجات الاجتماعية، إلى الحرب الحالية التي ألحقت بإيران دماراً في بنيتيها العسكرية والاقتصادية ليس مسبوقاً، ولا معدوداً... ومع ذلك يستمر الخطاب الرسمي في إنتاج سردية متماسكة ظاهرياً، تعتبر كل ذلك جزءاً من «مسار تاريخي منتصر»، يمنعك بل يسجنك عن فهم الواقع المطوّع مسبقاً لخدمة «السردية المقدسة».
أقسى وأقصى ما يكمن تخيّله من الخطورة عندما تتماهى القراءة الأيديولوجية السلطوية مع القراءة الدينية القيمية، فيُستخدم الدين لا كمعيار للمحاسبة، بل كأداة للتبرير، وتُستدعى الرموز المقدسة، وتُستثمر مفاهيم الشهادة والتضحية، ليس لإعلاء القيم، بل لحماية الخيارات من النقد، اللحظة التي تصبح فيها الخسارة «فضيلة»، والمساءلة «خيانة»، ويُغلق باب التصحيح، ولا يكتفى بإخفاء الهزيمة، بل يُمنع التعلّم منها.
ومع كل دورة من الإنكار تتراكم الأخطاء وتتسع الفجوة بين الخطاب والواقع حتى تصل هذه الجماعات والمجتمعات (أحزاباً ودولاً) إلى حالة من «الذهان الأيديولوجي» المطبق، الذي يستحيل معه الشفاء.
* كاتب لبنانيّ