ياسمين بيضاوي
في بلدٍ اعتاد قرع طبول الحروب، باتت المطالبة بالسلام تُعامل وكأنها جريمة.
في لبنان، لم يعد السلام خياراً سياسياً يُناقَش، بل صار عند البعض «خيانة»، وكأنَّ الدّم وحده هو شهادة الوطنية، وكأن الخراب هو معيار الكرامة.
لكن أي كرامة تُبنى على أنقاض البيوت؟ وأي شرف يُقاس بعدد الجنازات؟
لماذا يُراد للسلام أن يُشَيطَن؟ ولماذا يُقدَّم كأنه خطر وجودي؟
فهل الحرب فعلاً كرامة؟ وإن كانت كذلك، فهي «كرامة» من؟ ولصالح من؟
إنَّ الخوفَ، وحين يتحوّل إلى هويّة جماعيّة، يجعل من السّلام تلقائياً تهديداً لهذه الهويّة.
لكن السؤال الأعمق يبقى: من الذي زرع هذا الخوف؟ ولماذا استمر كل هذا الوقت؟
وهل يمكن لبلد أن يستقرّ فعلاً في ظل واقع يُبقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسسات الدولة؟
وماذا يحدث إذا أُبرم سلام فعلي؟
تحت أي ذريعة يستمر منطق السلاح حينها؟ وأين يصبح القرار الأمني في النهاية؟
المشكلة ليست في توصيف الحرب أو السلام، بل في نتائجهما.
ففي حرب ٢٠٠٦، دفع لبنان ثمناً باهظاً: أكثر من ١١٠٠ قتيل، معظمهم من المدنيين، نحو ٤٤٠٠ جريح، قرابة مليون نازح، وخسائر قُدّرت بمليارات الدولارات، إضافة إلى إنهيار واسع في البنى التحتية والاقتصاد والزراعة.
فصحيح كلّ حرب تبدأ بشعار كبير لكنّها تنتهي ببيت صغير مُهدَّم، وعائلة فقدت أحد أفرادها، وأحلام سافرت وحقائب حُزِمَت وإلى الخارج دُرْ. فالحرب لا تقتل فقط بل تُفرِغ البلد من ناسِهِ. فكلّ شاب يهاجر هو مشروع حياة تنطفئ في لبنان.
والموجع أكثر أنّ الذي يبدأ الحرب ليس هو نفسه الذي يدفن ضحاياها.
فالحرب لا تنتهي عند وقف إطلاق النار، بل تبدأ آثارها الحقيقية بعدها:
إنهيار اقتصادي، نزيف هجرة، وانكماش مستمر في فرص الحياة.
والسؤال الحقيقي ليس: من انتصر في الحرب؟
بل: من يستطيع أن يعيش بعدها؟
إن السلام ليس استسلاماً، بل خيار شديد الصعوبة يتطلب شجاعة مختلفة:
شجاعة مواجهة الخوف، ومراجعة الماضي، وكسر الحلقة المغلقة للعنف.
وإذا كان السلام خيانة، فالحرب لمن تكون؟ ولصالح من تُدار؟
وإذا كان الدم هو معيار الكرامة، فلماذا ما زلنا نبحث عن تلك الكرامة بعد كل حرب؟
ربما الحقيقة الأكثر إيلاماً أن السلام لم يُمنح في هذا البلد فرصة حقيقية بعد، أو أنه كلما اقترب، وُئد قبل أن يُختبر بجدّية.
المسألة ليست فقط في السلام مع دولة إسرائيل، بل في قدرة داخلية على بناء دولة تمتلك وحدها قرار الحرب والسلم.
فالسلام لا يهدّد الشعوب...
بل يهدّد كل من يجد في استمرار الحرب مصدراً للنفوذ والبقاء وحماية ايديولوجيّته.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل أصبح السلام فعلاً أكثر خطورة من الحرب نفسها؟ أم أنّ البعض يرفض السلام لأنه يفضح حقيقة من يعيش بإستمرار الحرب؟