السلام... هو الامتحان الأصعب للدول
فؤاد بوجي
«السلام ليس مجرد غيابٍ للحرب، بل هو حالةٌ تقوم على الثقة والعدل» قال الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا، بما معناه:
وربما لا يوجد ميدان تختبر فيه الدول قدرتها على الحكم الرشيد أكثر من مرحلة ما بعد الحروب.
فهذه العبارة تختصر حقيقةً تؤكدها التجارب التاريخية مراراً: ليس أصعب ما تواجهه الدول أن تنتصر في الحرب، بل أن تعرف ماذا تفعل عندما تتوقف الحرب؟
فقراءة التاريخ تكشف أن نهاية القتال لم تكن يوماً ضمانةً لبداية الاستقرار. فالحرب تفرض أولوياتها بالقوة، أما مرحلة السلام فتضع الدول أمام أسئلة أكثر تعقيداً: كيف تُبنى المؤسسات؟ كيف يعود الاقتصاد إلى الحياة؟ كيف تستعاد ثقة المواطن والمستثمر؟ وكيف يتحول وقف إطلاق النار إلى مشروع دولة، لا إلى هدنة مؤقتة؟
ولعلّ هذا ما يفسر لماذا خرجت دول من حروب مدمرة لتصبح، خلال عقود قليلة، نماذج للتنمية والازدهار، بينما بقيت دول أخرى أسيرة الحلقة نفسها، تنتقل من هدنة إلى أزمة، ومن أزمة إلى حرب جديدة.
لم تكن ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية تملك مقومات القوة التي جعلتها لاحقاً أكبر اقتصاد في أوروبا. ولم تكن اليابان، الخارجة من دمار هيروشيما وناغازاكي، تبدو مرشحة لتصبح إحدى أكبر القوى الصناعية في العالم. وحتى رواندا، بعد واحدة من أبشع الإبادات الجماعية في القرن العشرين، جعلت إعادة بناء مؤسسات الدولة والمصالحة الوطنية في صلب مشروعها للنهوض. لم تكن هذه الدول متشابهة في ظروفها أو ثقافاتها أو أنظمتها السياسية، لكن ما جمعها كان إدراكاً عميقاً بأن السلام ليس استراحة بين حربين، بل فرصة تاريخية قد لا تتكرر.
وفي المقابل، يقدم التاريخ نماذج لدول امتلكت فرصاً مماثلة، لكنها أهدرتها لأنها بقيت أسيرة الانقسامات الداخلية، أو رهينة الحسابات الإقليمية، أو عاجزة عن بناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب. وهكذا تحوّلت كل هدنة إلى محطة انتظار قبل الانفجار التالي.
هنا يقف لبنان اليوم
فالرهان لم يعد يقتصر على تثبيت الهدوء الأمني، بل على استثمار هذه اللحظة لإطلاق مسار مختلف، يقوم على إعادة تفعيل مؤسسات الدولة، وتعزيز الثقة داخلياً وخارجياً، وتهيئة الظروف لانطلاقة اقتصادية حقيقية. لكن قيمة هذه المؤشرات لن تُقاس بما يُعلن عنها، بل بقدرتها على أن تنعكس نتائج ملموسة في حياة المواطنين.
فلا يكفي توقف المواجهات لاستعادة دور الدولة، بل يتطلب الأمر إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتحريك عجلة الاقتصاد، وترسيخ سيادة القانون، وإقناع المستثمر بأن المستقبل في لبنان أصبح أكثر استقراراً من ماضيه. فنجاح هذه المرحلة لا يُقاس بعدد الأيام التي تمر من دون حرب، بل بعدد فرص العمل التي يخلقها، والاستثمارات التي يجذبها، والثقة التي يعيدها إلى المجتمع.
لكن هذا الامتحان لا يخص اللبنانيين وحدهم
فإذا كان المجتمع الدولي يريد بالفعل لبنان مستقراً، فإن ذلك لا يتحقق بإدارة الأزمات فقط، بل بمساعدة الدولة على تجاوزها. فالدول الخارجة من النزاعات تحتاج إلى الاستثمار أكثر من العقوبات، وإلى إعادة الإعمار أكثر من انتظار جولات التصعيد المقبلة، وإلى دعم المؤسسات أكثر من إدارة التوازنات المؤقتة.
وفي الوقت نفسه، تقع على اللبنانيين مسؤولية لا يمكن لأحد أن يتحملها نيابة عنهم. فمهما بلغت أهمية الدعم الخارجي، فإنه لن يعوض غياب القرار الوطني ببناء دولة يكون فيها الدستور المرجعية، والمؤسسات صاحبة القرار، والتنمية الاقتصادية أولوية المرحلة المقبلة.
وربما تكمن المفارقة في أن لبنان لم يكن يوماً فقيراً بالإمكانات. فقد امتلك موقعاً جغرافياً مميّزاً، ورأس مال بشرياً استثنائياً، وقطاعاً خاصاً أثبت مرونته في أصعب الظروف، وانتشاراً لبنانياً واسعاً يشكّل مصدر قوة لا عبئاً. لكن التجربة اللبنانية أثبتت مراراً أن امتلاك الفرص لا يكفي، إذا بقيت كل فرصة تُستهلك في إدارة الخلافات بدل استثمارها في بناء الدولة.
لهذا، فإن السؤال الذي سيحكم السنوات المقبلة ليس من ربح الجولة الأخيرة، ولا من خسرها، بل ما إذا كان لبنان سينجح أخيراً في أن يفعل ما نجحت فيه دول كثيرة قبله: أن يجعل السلام بداية لمشروع وطني، لا مجرد توقف مؤقت للحرب.
فالتاريخ لا يتذكر فقط من خاض الحروب، بل يتذكر أكثر أولئك الذين عرفوا كيف يبنون ما بعدها. وربما تكون هذه هي اللحظة التي يُكتب فيها مستقبل لبنان، لا في ساحات القتال، بل في قدرة دولته على تحويل السلام إلى مشروع دائم للاستقرار والنهوض. فالأمم لا تُقاس فقط بما تنتصر فيه، بل بما تبنيه بعد انتهاء المعارك.






