في إطلالته الأخيرة التي أجّجت الحرب الإسرائيليّة على لبنان والتي كانت قد أشعلتها بضعة صواريخ كاتيوشا من جنوب لبنان على إسرائيل انتقاماً لاغتيال المرشد الإيراني، قال الشيخ نعيم قاسم أنّه «سيحارب العدو الصهيوني حتى الاستماتة» مع علمه الأكيد «أن لا توازن بالقوة بيننا وبين إسرائيل، ولكننا سنقاتل للتاريخ»، كما قال حرفيًّا.
يعني الشيخ نعيم يَعرف أنّه يُحارب من هو أقوى منه لكنّه لا يهاب الموت، لأنّه إذا انتصر انتصر، وإذا عاش انتصر، وإذا استشهد انتصر، فهو دائماً وأبداً منتصراً في النعيم.
فماذا إذًا عن «البيئة» المُستَشهِدَة والمُهجَّرَة والمُفتَرِشة الأرض والمُلتَحِفَة السماء؟
وماذا عن الوطن الغارق في الحروب والأزمات منذ ستّينات القرن الماضي وحتى اليوم بسبب عناوين وهميّة وشعارات فارغة وأضغاث أحلام أَبْقَتنا دائماً في جهنّم الحروب والمحاور؟
يبدو أنّ الشيخ نعيم مقتنع أنّ «بيئته» ولبنان ينشدان ويتمنّيان دخول الجنّة، اليوم قبل الغد، ولذلك فهو يَعمل لصالحِهما لكي يستشهدا.
من ناحية ثانية، ولأنّ الزمن لم يَعد زمن انتخابات ومزايدات وشعبويّات نعود الى السؤال الأساسي والجدّي والجوهري:
هل يحقّ للنائب جبران باسيل ونوابه ومسؤولي تيّاره أن يلعنوا اليوم «سلاح حزب الله» وأن يُرسِل سعادته وفوداً نيابيّة لرئيس الجمهوريّة ولرئيس الحكومة تأييداً لقرارات مجلس الوزراء، وأن يترأس هو وفداً كبيراً للقاء قائد الجيش، وليعلن بعد الاجتماع الالتفاف حول الجيش في وجه «السلاح غير الشرعي»، وهو الذي طَبَلَ آذاننا مع «مورّثه» الرئيس ميشال عون وقيادات تيّاره منذ عشرين سنة، وهم يبشّرون ويدافعون عن «سلاح حزب الله» لأنّ «الجيش اللبناني ضعيف وغير قادر على مواجهة الأعداء أكانت إسرائيل ام التكفيريّين وداعش»؟
والملك السعودي والرئيسان المصري والفرنسي في حينه هُم خير شهود على هذا الكلام.
وبسبب مواقف «التيّار الحرّ» هذه طارت هِبَة الملك السعودي لتسليح الجيش اللبناني بقيمة أربعة مليارات دولار بسلاح جديد مُصَنَّع خصّيصا في فرنسا حسب حاجات ورغبة قيادة الجيش اللبناني.
نحن لسنا بحاجة أن «ننكش» الماضي لتقوية حجّتنا في صحّة خياراتنا الوطنيّة والسياسيّة، لكن أن يبقى النائب باسيل مصرًّا على التنكّر لماضيه وماضي «مورّثه» وماضي تيّاره لِيُعطيَ لنفسِه صكّ براءة عن الخطايا التي ارتكبوها بحقِّ لبنان منذ «حرب التحرير» الغوغائيّة و«حرب الإلغاء» الكارثيّة وحرب «وصمة العار» في ١٣ تشرين ١٩٩٠ الانتحاريّة وصولا الى اتفاق «مار مخايل» في ٦ شباط ٢٠٠٦ وشرعنة سلاح «حزب الله» في كلّ المحافل الدوليّة واعتبارهم أنّ «الجيش اللبناني ضعيف وغير قادر على حماية لبنان»، وهُم الّذين كانوا يكتبون ويقولون أنّ «الجيش هو الحلّ»، وهم الّذين استغلّوا موقعهم في قيادة الجيش ليبنوا شعبيّتهم التسوناميّة، هُمُ هُمُ، لا يحق ولا يجوز لهم الآن التنديد «بسلاح الحزب»، لأنّهم أيضاً مسؤولون وشركاء فيما أصاب ويُصيب لبنان في هذه المرحلة.
فلم يعد يُفيد اليوم مثلاً أن يكتب جبران باسيل: «نَقِف بوجه سلاحكم عندما تكون أجندته خارجيّة»، بعد أن كان يقول سابقاً: «أنت تخيّل اليوم لو ما كان في مقاومة شو كانت عملت فينا إسرائيل؟».
أو أن يقول باسيل:
«عندما يدعو أحدُهُم الجيش كي يسحب سلاح المسلّحين في هذه المرحلة فكأنه يدعو إسرائيل لاجتياح لبنان».
طبعاً باسيل كان يَستَنسخ تماماً ما كان يقوله مؤسّس التيار، مورِّثُه، العماد الرئيس ميشال عون حيث قال بعد انتهاء ولايته:
«عندما كنت أُمَثِّل ٧٢ بالمئة من المسيحيّين، جئت بهم غطاء لحزب الله».
وقال أيضاً الرئيس ميشال عون:
«أنا متمسّك بتحالفي العميق مع «حزب الله» ومع خياراته الاستراتيجيّة».
وأيضاً قال قائد الجيش السابق الرئيس العماد ميشال عون:
«سلاح «حزب الله» لا يتناقض مع مشروع الدولة بل العكس فإنّ سلاح الحزب أساسي للدفاع عن لبنان».
ومما قاله قائد الجيش السابق الرئيس ميشال عون:
«بقاء سلاح «حزب الله» له سبب ومن يتحدّثون عن نزع السلاح هم خصوم».
لائحة ما صرّح به الرئيس العماد ميشال عون ووريثه النائب جبران باسيل، على مدى عشرين سنة، في دعم «سلاح حزب الله» وتسخيف قدرة الجيش اللبناني تطول وتطول، ولن تمحوها تصاريح «التنصّل من الماضي» بعد الآن، فصورة صاروخ «حزب الله» مغموراً بعاطفة جبران باسيل وبذراعيه ستبقى محفورةً في الأذهان على مدى الأزمان.