بيروت - لبنان

اخر الأخبار

22 حزيران 2024 12:40ص دخول التاريخ

حجم الخط
كنت في مبتدأ حياتي، أقول لنفسي، يجب أن تدخل التاريخ، وإن في هذه المدرسة المتواضعة، التي تدرس فيها في آخر القرى، لا يعيقك ذلك ولا يعجزك، وإن في مدرسة من ثلاثة غرف:
تضم الأولى تلامذة الصف الأول والثاني.
وتضم الثانية، تلامذة الصف الثالث والرابع.
وأما الثالثة، فتضم الصف الخامس، حيث هو نهاية العلم في قريتنا. عنيت صف الشهادة الإبتدائية.
كنت أراهن على تميّزي، بين زملائي المدرّسين، من ناحية التحضير، ومن ناحية الثقافة ومن ناحية العطاء.
ومن ناحية جعل التلاميذ يتعلقون بدرسي وبشخصي، وبأني مميّز حقا، لا مباهاة ولا إدّعاء كاذبا، فقط، وباختصار شديد، لأنني مجتهد، ولأنني مجدّ، ولأنني لا أدخّر علما ولا جهدا ولا وقتا، إلّا وأجعله في خدمة تلاميذي، حتى أراهم في المستقبل أمامي، مثل أسرة أمام عائلها الثقافي والعلمي، يثقون به، ويتخذونه مثالا لهم ومقالا، في الجدّ والكدّ والمثابرة والعطاء.
ما كنت أفكر بنابليون، ولا بالمعارك النابليونية، ولا بخروجه إلى العالم من باب الأمبراطورية الفرنسية، كنت أفكر بأديسون، كيف يتناول ليله، في غرفته الضيقة، كسر الخبز اليابس، ويشقق عتمتها بالكهرباء. كنت أفكر بمدام كوري، كيف كانت تمضي يومها، بإصرارها، على إكتشاف الراديوم والبولونيوم، وتقدّم إكتشافاتها المذهلة للكيميائيين وللفيزيائيين، وللإنسانية جمعاء.
كنت أقول لنفسي: إن باب التاريخ بسيط وغير معقّد، ولا كثير التعقيد. وإن رجل التاريخ يدخله بكل بساطة إذا أراد، ومتى أراد، من الباب العريض، دونما حاجة لا للمعمعان، ولا للمعمعات ولا للحروب، ولا لقتل الملايين من الناس، حتى يزيحوا من الطريق.
تكفيه الغرفة الواحدة البسيطة، حتى يذهل العالم بعطائه، دونما حاجة إلى ضوضاء، ودونما حاجة إلى إعلام، ودونما حاجة لخطب كثيرة، أو لشعر كثير.
دخول التاريخ ليس مقصورا، على جنرالات الجيوش الجرّارة، فهو يمكن أن يكون لمدرّس بسيط، لعامل بسيط، لمتعلّم بسيط، لرجل بسيط قرر أن يخرق العادة في الإهمال، وفي النظرة الرتيبة للأشياء، وفي التطوع بإرادة صلبة، لأجل بناء الأمة الواعية، ولأجل السهر على خدماتها، تماما كما يسهر المدرّس البسيط، في تصحيح فروض تلاميذه المدرسية، طوال ليله، حتى الصباح، ثم يخرج في الثامنة، مع تسنم الشمس، لمواصلة العطاء.
محمد بن سلمان، واحد من هؤلاء الشباب المتحمّس للعطاء، لا أكثر ولا أقل. يعمل طوال ليله ونهاره، لتأمين مستقبل زاهر لبلاده، تراه يراكم العسل في أجرانه لمملكة النحل، كما واحد من العاملين، على ملء القفير ولو بالحد الأدنى اليسير، ولو بساعده البسيط، ولو بإمكانيته البسيطة، لتاريخ البلاد في بساطة العلوم، وفي بساطة النفوذ وفي بساطة الولاء، وفي بساطة الصناعة.
لا تراه، منذ أن تولى ولاية العهد، إلّا منصرفا بكل شغف متواصل، كشعب كامل، للنهوض بالبلاد إلى أعلى المستويات، يريد لها أن تكون في مستوى الأمم الأخرى، علما وصناعة، ولو كانت البدايات من الصفر، من الحضيض.
جعل محمد بن سلمان، بوقت قصير، جيل الشباب يلتف حوله، فسار بهم من السفوح إلى القمم، يريد أن يعلق النجوم، حيثما وجد حاجة لإضافة النجوم.
يحدّق في الأرجاء الواسعة، فيراها ضيقة على أحلامه، يهرع إليها بانيا، يهرع إليها صانعا، يهرع إليها معلّما، يعتبر أن خطوه إليها، حين يخطو بها كل يوم ولو خطوة بسيطة، كأنه يدخل التاريخ.
محمد بن سلمان، رجل إعمار وبناء وتجدّد وتجديد. آخر مشروعاته التي ليس لها آخر، هو أن يبني متحفا لتاريخ البلاد العريقة والقديمة و المقدّسة، يحجّ إليه الرحّالة، يزورون الوقائع المسجلة، يرون نسخة عن بلاده المعجبة، في تاريخها، وفي مقدساتها، وفي حضارتها، وفي علمها، وفي آدابها.
دخول التاريخ، أراده محمد بن سلمان، من باب العلم والآداب والسلام، لا من باب الحروب المستعجلة، لدخول التاريخ!

* أستاذ في الجامعة اللبنانية