بيروت - لبنان

اخر الأخبار

3 حزيران 2024 12:01ص رشيد كرامي: رجل الوحدة الوطنية

حجم الخط
في مثل هذه الأيام خسر لبنان رجل دولة تميّزت مسيرته السياسية بالدفاع عن وحدة الوطن ورفض العنف. إنه الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي كان قدوة في رفض التطرف وتغليب الاعتدال والحفاظ على روح الوفاق بين اللبنانيين. إنه أحد أعمدة العيش المشترك، وأحد الضمانات الكبرى للسلم الأهلي الذي قضى ربع قرن في السياسة، ممثلاً الوطنية اللبنانية بهواها العروبي ونفسها الليبرالي، وأكثر ما طبع مسيرته السياسية، علاقته بالزعيم جمال عبد الناصر. جميع الأحرار والوطنيين لن ينسوا هذا الرمز الوطني الكبير الذي ولد في بيتٍ وطني مرموق، بيت والده عبد الحميد كرامي الذي اشتهر بوطنيته وإيثاره الإصلاح والتقدّم، وبنزاهته التي اتصف بها، فكان رجل الاستقلال المتعاطف مع الشخصيات والقوى الوطنية الإصلاحية في لبنان.
كان رشيد كرامي نائباً عن مدينة طرابلس في دورات 1953 و1957 و1960 و1964 و1968 و1972، واستطاع خلال مسيرة عمله السياسية، أن يضيف الى رصيده العديد من المناصب الوزارية، فكان وزيراً للعدل للمرة الأولى، ثم وزيراً للاقتصاد، ثم وزيراً للاقتصاد والشؤون الاجتماعية، ولكن المحطة الأبرز في مستهل حياته السياسية كانت عندما كلّف تأليف الحكومة، حيث عيّن رئيساً للحكومة لأول مرة في 19 أيلول 1955 وهو في سن الرابعة والثلاثين من عمره، وهو ما جعل منه أصغر رئيس حكومة في تاريخ لبنان. ثم، تتالت تسميته لرئاسة الحكومة، ونجح في تشكيل 9 حكومات أبرزها، حكومته الثانية في 24 أيلول 1958 والتي استمرت لأيام معدودة، وحكومته السابعة في 15 كانون الثاني 1969 والتي استمرت حتى 24 نيسان 1969 حيث قدّم استقالته بعد الأحداث الدامية التي جرت في 23 نيسان 1969 والتي تسببت في أزمة وزارية استمرت ستة أشهر وانتهت بتوقيع اتفاق القاهرة. آخر حكومة شكّلها كرامي قبل اغتياله، كانت الحكومة التي دعيت حكومة الوحدة الوطنية من30 نيسان 1984 وحتى 4 أيار 1987 حيث أعلن حينها استقالته، ليفجع لبنان في الأول من حزيران سنة 1987 باغتياله، ويسقط شهيداً على متن طوافة عسكرية كانت تقلّه من طرابلس إلى بيروت.
اغتيل رشيد كرامي لأنه كان في الصفوف الأولى، وفي أشرس ثلاث جبهات على الاطلاق: جبهة مقاومة إسرائيل، وجبهة اجتراح كل أشكال الانفتاح وتقديم كل التضحيات للحفاظ على وحدة لبنان، وجبهة تحصين المجتمع اللبناني بالعدالة الاجتماعية وليس بالمحاصصة المذهبية. كما اغتيل رشيد كرمي بغية تمرير مشروع تقسيم لبنان إلى كانتونات، حيث كان في تقدير من اغتالوه عقبة في طريق سيطرتهم على لبنان، خصوصاُ بعدما وقف بوجه هذه النزعة الكانتونية، نزعة تقسيم لبنان. فيما تبقى دماؤه حيّة تلاحق القتلة وتحاصرهم، وتبدّد طموحاتهم السياسية. باختصار يمكن القول أن إغتيال رشيد كرامي كان فعلياً محاولة اغتيال الاعتدال في لبنان، وإغتيال الدولة، وقضيته ما تزال حيّة في نفوس اللبنانيين، وتشكّل عامل جمع لكل مكوّنات لبنان التي تشدّها الذكرى الأليمة الى عائلة كرامي إستذكارا للزعيم الوطني الكبير الذي إستشهد من أجل وحدة لبنان وعروبته وإستقلاله وقضية فلسطين. رحم الله الرئيس الشهيد، رجل الوحدة الوطنية الذي تفتقده طرابلس ولبنان.